الصور “المقلوبة” في بلادي


بقلم: فهد إبراهيم الدغيثر

لا يمكن ان اجد اي تفسير لمن يوقف سيارته امام مدخل احد المنازل في الحارة ويغلق بوابتهم بالكامل فقط ليؤدي “حضرته” الصلاة. يتكرر هذا المشهد امام معظم البيوت التي تقع قرب الجوامع. صورة مقلوبة بالفعل. هو في زيارة لبيت الله طلباً لغفرانه ورحمته والفوز بالجنة وكأنه لا يعلم بعمله هذا انه يرتكب سيئة وقد يسبب لملاك المنزل كارثة فيما لو احتاج احدهم الخروج من المنزل لأسباب علاجية طارئة.

 الحقيقة ان المواطن هنا في المملكة، وأقولها بكل أسف، لا يعرف الإنضباط إلا اثناء تأديته للفريضة داخل المسجد. نعم ينضبط خلف الإمام خاشعاً مستسلماً اما بعد التسليم فالصورة تنقلب تماماً. تذهب تلك السكينة التي شعر بها قبل لحظات ثم يأتي التمرد فيبدأ بقيادة سيارته بعد اداء الصلاة بكل قلة ذوق وينحرف كيفما اراد.

 كم مرة شاهدتم في المساء المرور وهو يحجز الشاحنات على الأرصفة في الطرق الدائرية السريعة لأنها خالفت التعليمات التي تحدد اوقات السير لهذه المركبات الضخمة؟ اليس من المفترض او من المتوقع ان لا توجد اي شاحنة اساساً؟ لمَ يتجرأ السائق بقيادة شاحنته في فترة الحظر؟ كيف يتكرر المشهد كل مساء دون ان يلتزم الناس بالنظام؟ والحال يمكن تطبيقه على من يتجاوز السرعة ويحصل على مخالفة ثم يذهب الى المجالس متندراً من كاميرات ساهر.

 ومن المشاهد الأكثر غرابة اننا صمتنا عقود على وجود الشاب البائع لأدق حاجيات المرأة من ملابس داخلية حتى اصبح الأمر مقبولاً. عندما استيقظ الضمير في دواخلنا ووضعنا المرأة لتبيع مكان الرجل ارتفعت الأصوات المعارضة وبدأت تهدد وزير العمل بمرض السرطان حماه الله وأيانا من هذه الشرور. اين هذه الغيرة على المرأة المتسوقة من قبل؟ ها نحن نقبل وبكل جهل اختلاء الرجل الأجنبي “السائق” بالمرأة داخل السيارة ولمدد قد تتجاوز الساعات في يوم واحد. اما ان تقود المرأة سيارتها فهذا مفسدة. لكننا سنستيقظ بعد حين كما استيقظنا امام مهنة البيع واتوقع ان يخرج حينها محتسب آخر ليدعو على مسؤول آخر بالشلل والسل الرئوي وكل ما قد يملي عليه الشيطان بداخله من أمنيات قبيحة.

 صور مقلوبة بامتياز. لنأخذ التحرشات. نطالب دائماً بوضع قوانين صارمة لمن يتحرش جنسياً بإمرأة تعمل بجانبه او تسير في مجمع تسوق. نقول ان المتحرش يستحق العقوبة والتشهير وتسجيل هذه الأحداث في سجله المدني لتبقى وصمة عار في سيرته. الهدف بالطبع هو تهذيب الناس وبناء المجتمع المتصالح السليم الآمن. ثم يأتي من يقول ان وضع قوانين خاصة للتحرش من شأنه شرعنة الإختلاط ولهذا فلا حاجة لنا به. كيف تواجه التحرش إذاً؟ الجواب نعاقب المرأة.. اي نعاقب الضحية اما المتحرش الشاب فلا يلحق به اي أذى.

 تأتي المرأة ببطاقتها التي تثبت هويتها الوطنية الى كاتب العدل لتحرير وكالة ثم يقول لها الشيخ احضري معرفاً. تقول له هذه بطاقتي تحتوي على اسمي وصورتي فلا ينظر لها. تضطر الى استجداء شخص في الغالب لا يعرفها ليشهد امام الشيخ زوراً ان هذه المرأة هي فلانة بنت فلان. وهكذا ساعدنا في شرعنة شهادة الزور وأين؟ استطيع ان امضي وأصل الى عشرات الصفحات من تصوير المشهد في مجتمعنا لكن المساحة لا تسمح لي بذلك.

 الواقع ان المملكة، وحتى تتمكن من بناء المجتمع المأمول وتحقق السلم الإجتماعي بين الناس وتنتهي مثل هذه المشاهد المقلوبة مضطرة اكثر من اي وقت مضى الى إعادة تأسيس هيبة النظام. يشمل ذلك كل السلوكيات الخاطئة التي اشرت الى بعضها. والأهم من ذلك تطبيق العقوبات على المخالفين بكل تصميم وجدية ودون استثناء وسواء كان المخالف اميراً او شيخاً او مقيماً او زائراً او مجرد فرد. الفوضى والتمرد بل وحتى تجذر ظاهرة الإزدواجية في الشخص ليست مرضاً عضال يصعب استئصاله ولكنها انعكاس للأنظمة او غيابها في بيئة ما. كل الأمثلة التي اوردتها في هذه العجالة تختفي من نفس الأفرار الذين ارتكبوها هنا عندما يغادرون المملكة. في الإمارات التي اصبحت قبلة السياحة السعودية والتي تطبق انظمة صارمة وجادة ستشاهد نفس السائق الذي اغلق بوابة منزلك ملتزماً بالذوق العام هناك ولا يمكن ان يتجرأ بوضع عربته اما بوابة منزل. نفس الفرد الذي يلقي سيجارته او علبة العصير من نافذة سيارته هنا سيحتفظ بها داخل سيارته هناك حتى يجد سلة نفايات.

 النظام وتطبيقه ايضاً وفضلاً عن كل ما ذكرناه، يعتبر عامل ايجابي بل وحاسم في بناء الفرد وقدرته على المساهمة في  الإقتصاد والتنمية وخلق البيئة الإستثمارية المنشودة. التنمية تحتاج الى الوضوح في كل شيء والإنضباط والشعور بالمسؤولية من الأفراد اما الفوضى والإستهتار فلا يمكن ان يتحقق معها نماء فهي مجرد اداة حادة لرفع النفقات واصلاح الأضرار التي تأتي بسببها. 

أضف تعليق