فوبيا الإخوان.. إلى متى؟


أستغرب استمرار الشعور بالقلق والحذر المبالغ به من بعض المغردين السعوديين عن «الإخوان المسلمين» في «تويتر» وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى من بعض الزملاء من كتّاب الرأي على رغم تجريم هذه الجماعة ومطاردة رموزها وقرب محاكمة من تم القبض عليهم في عقر دارهم مصر. مصدر الغرابة ليس بسبب الحديث العام عن هؤلاء وما ستسير عليه الأمور في أروقة المحاكم، بل الحديث عنهم من منطلقات أخرى يغلب عليها الخوف والحذر من الجماعة بما أشبهه بالفوبيا.
الذي أراه أن زمن «الإخوان» قد ولّى ويوشك على الانقراض ويفترض أن نبدأ بنسيانهم كما نسينا جهيمان و«القاعدة» وابن لادن وغيرهم من المفلسين. نعم كان يوجد لهم متعاطفون ونعم خطفوا التعليم لدينا لفترة وتسببوا في الكثير من المآسي والتخلف الذي عانينا منه كثيراً، لكننا اكتشفنا كل ذلك حتى لو كان هذا الاكتشاف متأخراً، واتخذت حكومتنا وعدد من الحكومات العاقلة التي تتمتع بالحكمة واستشراف الغد في المنطقة الخطوات اللازمة للقضاء على هذه الجماعة وفكرها النتن. ننساهم كما نسينا أي مواقف رديئة تمر بنا وننطلق إلى الغد وبنائه والعمل على تلبية حاجات الأجيال القادمة.
ننساهم لنفكر في جماعة الوطن الكبرى، هموم المواطنين، تعثر مشاريع الإسكان، تطور التعليم، المحافظة على المنجزات في مشاريع البنى التحتية، تحرك الاستثمارات، متابعة البورصات، خلق فرص العمل وقبل ذلك البحث عن الفرص الغائبة في أنشطتنا الاقتصادية. بدلاً من الحديث الذي أصبح مملاً عن تغريدة فلان المتعاطف مع «الإخوان» لنتحدث عن سبب انفلات السائقين وتهورهم وعدد القتلى كل يوم في الطرقات. هذه قضايانا ولا للإخوان علاقة بهذا الانفلات ولم أسمع إخونجياً يحرض على التمرد على «ساهر» أو تعمد تجاوز الإشارة الحمراء في غياب الكاميرا ولا أقول غياب ضابط المرور لأن حضوره وغيابه سيان لدى السائق.
علينا البحث عن المجتمع المنضبط الغائب وكيف يمكننا زرع هيبة القانون في كل سلوكياتنا ومأكلنا ومشربنا. علينا البحث عن المسببات التي جعلت من مجتمعنا الكبير في المملكة مجتمعاً خائفاً متردداً منافقاً حتى عند الحديث عن الحاجة إلى وجود مسرح أو صالة سينما على رغم أن هذا المواطن نفسه قد يشد الرحال لدولة مجاورة لمشاهدة فيلم في صالة هناك من دون أي محاذير أو شعور بالتردد.
نتوقف عن جلد الجماعة ونبدأ بمكاشفة أنفسنا وما نعانيه من ملل حتى أثناء مشاوير التسوق التي يفترض أن يصاحبها شعور بالترفيه كما هي الحال في معظم دول العالم اليوم. لماذا لم نعد نشعر بالرغبة للذهاب إلى المجمعات التجارية؟ لماذا نصرّ على توقف كل شيء لمدة ٤٠ دقيقة لأداء الصلاة على رغم أن تأدية الصلاة لا تتجاوز خمس دقائق فقط؟ لماذا تغلق المحال في أوقات الظهر بينما تستمر حتى منتصف الليل؟ لماذا نتردد حتى اليوم في السماح للمرأة بقيادة سيارتها؟ وقبل ذلك ماذا ننتظر حتى نشرع ونجرم التحرش الجنسي في أماكن العمل والمجمعات والأسواق؟ هل نظن بأن في مقدورنا القضاء على هذه الظاهرة القبيحة بمجرد المناصحة أو مطاردة المتحرش «إذا» كانت الهيئة حاضرة؟
هل توقفنا يوماً وتساءلنا عن سبب وجود عاطلين عن العمل من الجنسين، ثم قمنا بدرس الحال من جميع اتجاهاتها وبدأنا بالبحث عن حلول لها؟ أم أننا نفضل الانتظار حتى وقوع الواقعة وعندها لن ينفع إلا الحلول العاطفية فقط؟ ما سبب نمو طيران «الإمارات» الحديثة جداً مقارنة بناقلنا الوطني «السعودية» العتيقة؟ ما سبب غياب سياحة المؤتمرات وسياحة المناسبات الرياضية والفنية عن بلادنا؟ وما تأثير ذلك على مسار البناء والتنمية خصوصاً في قطاعات النقل والضيافة؟
بدلاً من الإسهاب في الحديث عن الفروع اسمحوا لي أن أتحدث عن الأصل. كل ما نطالب به هو زرع المسؤولية لدى المواطن ولا يهمني بعدها إن كان ذا ميول إخوانية أو ليبرالية أو مجرد مواطن حر أبيّ. لقد أنجزت وزارة الداخلية ولدواعي أمنية -بالطبع- مشروعاً بالغ الأهمية وأعتبره نقلة نوعية هائلة يتمثل في تقنية سجلات المواطن والمقيم مما سهل علينا جميعاً الكثير من الإجراءات الروتينية. السؤال ما الذي يحويه هذا السجل غير المعلومات الأساسية عن الفرد؟ هل يحوي عدد المخالفات المرورية؟ هل يحوي عدد حالات التحرش الذي أقدم عليها هذا الفرد؟ هل تلاعب في الوفاء بالتزامات النفقة على مطلقته وأولادها؟ هل يحوي أي مخالفة للقانون؟ أين القانون أصلاً، وإن كان موجوداً من يطبقه وكيف؟ نعم نحن جادون جداً في ملاحقة الإرهابيين ومن يتعاون معهم، لكنني وبصراحة لا أجد حالات التحرش أقل إرهاباً ولا حالات التمرد في القيادة. أنه إرهاب ناعم إن جاز التعبير واستمراره يتحول إلى إرهاب حقيقي. كيف لا والتهور في القيادة يحصد أضعاف عدد ضحايا الإرهاب. كيف لا وغرف المستشفيات تغص بالمصابين ممن تحولت إصاباتهم إلى إعاقات مستديمة.
ومن الإرهاب الناعم الذي لا يمكنني تجاهله هذا الكم الهائل من تحويلات الأجانب للخارج وتحويلات السائحين السعوديين. لماذا حرمناهم من إنفاق هذه الأموال في الداخل؟ ما أسباب الهرب الجماعي للمواطنين للخارج في كل إجازة؟ لماذا افتقدنا السياحة الداخلية؟ ما المعوقات التي تسببت بذلك؟ لنتحدث بصراحة عن هذه الأسباب بدلاً من حديثنا الممل عن هذا المغرد الإخونجي، ماذا قال؟ ولماذا لم يعاقبه أحد؟
الحديث هذا قد يصبح مملاً إن لم أتوقف، لكنني سأختتم بالتذكير والتحذير. إن لم ننتبه إلى جميع معوقات التنمية وبناء الإنسان السعودي المسؤول عن تصرفاته، إن لم نعمل على فتح البلاد وجلب الاستثمارات وخلق الفرص، إن لم نضع الأنظمة الصارمة ونطبقها على الجميع، إن لم نعمل على تعدد مصادر الدخل ونتخلص من فكر الاقتصاد الريعي البليد، إن لم نعاقب من يعكر صفو السلم الاجتماعي بتصرفاته الطائشة، إن لم نعمل على إغراء المواطنين والمقيمين على إنفاق مدخراتهم في اقتصادنا ونجتهد في توقف الفرار إلى الخارج في كل وقت، إن لم نفعل ذلك وغيرها من المبادرات التي طاول انتظارها فإننا في واقع الأمر نحقق لتلك الجماعة ولكل الأعداء ما كانوا يخططون له. إنه الضياع والتيه والحيرة والكساد والفشل في المقبل من الأعوام. أليس في أهم أجنداتهم وما يكررونه في كل خطبهم وأقصد «الإخوان» وأمثالهم، أن جميع الحكومات غير «حكومتهم» مصيرها الفشل؟

عن الحياة اللندنية.

أضف تعليق