لا لحسن النوايا بعد الآن


لا يستطيع أحد أن ينكر صبر وحلم ورحمة المملكة في تعاملها مع بعض أبنائها ممن اختاروا الدخول في حرب ضدها وضد مواطنيها ومكتسباتها. قبضت على الكثيرين بعد بدء الأحداث الإرهابية قبل أكثر من 10 أعوام، وتعاملت مع الكثيرين على الأقل ممن لم يرتكب جرائم قتل من منطلقات حسن النوايا. بادرت الدولة بتأسيس ما يسمى بـ«لجان المناصحة»، وهذه عبارة عن مجاميع من الأفراد منهم الاختصاصيين النفسيين وعلماء في الفقه والشريعة والاجتماع والأمن. القصد من ذلك كان محاولة إعادة هؤلاء الشباب إلى جادة الصواب بما يمكنهم من العودة إلى مجتمعهم والإسهام في بنائه بعيداً عن العنف. مع بالغ الأسف وعلى رغم نجاح هذه اللجان في إقناع عدد من هؤلاء وتم بالفعل إطلاق سراحهم وعادوا إلى حياتهم الطبيعية إلا أن عدداً آخر قرر العودة إلى ممارسة الإرهاب بعد خروجه من السجن.

قرأت قبل بضعة أيام أن ١٢ إرهابياً ممن شارك أو خطط لعملية الدالوة في الأحساء، والتي راح ضحيتها عدد من الأنفس البريئة عند خروجهم من إحدى الحسينيات في تلك البلدة، كانوا ممن تم الإفراج عنهم بعد أن أمضوا فترات معينة في السجن في قضايا أمنية. بمعنى أن الدولة في الواقع لم تُوجِه لهم تهماً وإلا لما خرجوا. أنا هنا أستغرب كيف يتم القبض على أفراد ضمن خلايا إرهابية ثم لا تُوجَه لهم تهم ولا يحاكمون، وأرجو أن أكون مخطئاً هنا لكن هذا ما يتبادله الناس في مجالسهم. ألا يفترض أن مجرد الانضمام إلى هذه الخلايا بصرف النظر عن الفعل هو بحد ذاته جريمة تستحق المحاكمة والعقاب؟

الحقيقة أن حسن النوايا لا يقتصر على التعامل مع هؤلاء فقط، بل يمتد إلى الكثير من المشاهد في المملكة. نحن نمارس العفو والصفح مع كل المخالفات تقريباً، وهو ما يثير الكثير من التساؤلات. هل هو فعلاً عفو أم عجز وضعف في أجهزتنا الرقابية وقدرتنا على المتابعة وفرض سيادة النظام. صحيح أن المجرمين بجميع أنواعهم يحاكمون ويعاقبون وينفذ فيهم حكم القضاء غير أن الكثير من الأخطاء الأخرى ترتكب بلا عقوبة. أنا أتكلم هنا عن الغش والتزوير والفساد وأنظمة السير والنظافة العامة. هذا بالطبع لا يحدث بسبب غياب الأنظمة بل بسبب عدم تطبيقها، إذ لا تنقصنا اللوائح ولا التعاميم لكنها تصدر فقط لتصبح حبيسة الأدراج وكأنها لم تصدر.

لعلنا مع هذه الأزمة نعيد النظر ونطور الأداء. لم لا ونحن نعرف أن الأزمات في جميع الكيانات وعلى سوأتها وضررها تدفع الحكومات إلى الكثير من التعديلات الدستورية والإجرائية بما يكفل الاستفادة منها لتفادي وقوعها مجدداً. إنها الدروس التي تمكن صناع القرارات من التغيير إلى الأفضل.

ولو عدنا إلى موضوع الأحساء لوجدنا العديد من النقاط التي تستحق التوقف والتأمل. أهمها أن الحدث كان موجه تحديداً لمواطنين من الطائفة الشيعية، وأرجو أن نضع 10 خطوط تحت مفردة مواطنين. هدف المخططون لهذه العملية القبيحة لا يخفى على أحد وهو إشعال الفتنة بين مواطني هذه البلاد، وأخطر هذه الفتن كما نعلم هي الفتن التي تنبع بسبب المعتقدات الدينية. لذا فهم أي المخططون لم يخطئوا في اختيار الهدف. الذي أخطأوا فيه حقيقة أن شعب المملكة متحد بكل طوائفه حتى مع بعض الملاحظات حول الخطاب الديني السائد الذي لا يتوقف عن مهاجمة الشيعة لأسباب عقدية بحتة أو ذلك الخطاب الشيعي المماثل والمعاكس للاتجاه. خرجت بوادر هذا التلاحم عندما سارعت هيئة كبار العلماء إلى شجب العملية، وبعدها بقليل أصدر علماء من الشيعة بياناً مماثلاً مضافاً إليه التركيز على لحمة الوطن ووحدته. أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد غرقت بتغاريد التنديد والشجب والاستنكار، ولم يعد المرء قادراً على التمييز بين مغرد شيعي وسني فالعشق لتراب الوطن والغيرة عليه أذابت كل الفروق.

أنا يؤلمني حقيقة زرع بذور الشقاق والخلاف بين الشيعة والسنة الذي لم نعرفه قبل زمن «الصحوة الإسلامية». قبل الصحوة لم يكن هناك من يفكر بمذهب فلان من الناس. كنا في غاية التسامح والتصالح في ما بيننا كأبناء لهذا الوطن الغالي. أتت الصحوة متزامنة مع ثورة الخميني وقلبت الموازين. لذا ولقطع الطريق على الأعداء فليس أقل اليوم من أن تصدر حكومتنا أنظمة جديدة تجرم كل من ينادي بإقصاء أية طائفة من الطوائف التي تستظل بظلال المملكة وتنعم بأمنها وسلامها. ويجب أيضاً تجريم من يتعمد سب الصحابة رضوان الله عليهم، لأن ذلك يستفزنا جميعاً. حتى ما يخص التبرعات ومخالفيها، فكما أننا نلاحق من يخالف الأنظمة كما حدث مع العرعور وغيره فيجب أيضاً ملاحقة التبرعات التي تدفعها الطائفة الشيعية. الحل هنا هو أن تبقى تبرعاتهم لمرجعياتهم في المملكة ولا تذهب إلى أي مكان في الخارج، وأن تخضع للمراقبة المالية الرسمية.

نعم صدور مثل هذه الأنظمة سيردع المتربصين أو الجاهلين بأهمية الوحدة وتماسكها. إن فعلنا ذلك فسنكون كشعب ودولة أكبر الرابحين من جرّاء تلك العملية الغادرة، وسيعض الإرهاب أصابع الندم لأنه دفع بنا أماماً إلى دولة القانون التي بلا شك ستشكل بيئة منيعة ضد الفوضى والتطرف. ولندرك أيضاً أن العمل في دولة كهذه سيحمل معه الكثير من الفوائد الجانبية الأخرى. سيادة القانون ستبعث رسائل ليس فقط إلى المخربين أو المحرضين بل ستخلق بيئة آمنة وناضجة تساعد في التنمية البشرية والاقتصادية. الاستثمار الأجنبي والداخلي بواسطة القطاع الخاص يعتبر على رأس قائمة الأولويات، وكلنا يعلم أن تدفق الأموال نحو المشاريع الجديدة يزيد مع طمأنة المستثمر وخضوع العقود والبيئة ككل للقوانين الصارمة.

فهل نفعل ونفعّل؟ هذا ما أتمناه ويتمناه كل مواطن غيور.

أضف تعليق