شاركت وللمرة الأولى في حضور المعرض العالمي للهواتف المحمولة الذي يقام سنوياً في مدينة برشلونة الإسبانية، يغطي المعرض جميع الابتكارات الخاصة بالهاتف المحمول من الأجهزة الضخمة «السيرفرات» إلى أدق الإكسسوارات وأصغرها حجماً.
وسبق أن كنت مشاركاً في مؤتمرات كهذه لكنها تتعلق بقطاعات تجارية وصناعية أخرى كالغذاء وصناعاته والتجزئة وتفرعاتها في كل من شيكاغو وفرانكــفورت ولنـــدن ودبي ولاس فيغاس.
الصورة دائماً تتكرر، مشاركون وزوار في اندفاع وتزاحم وإقبال شديد وإنفاق سخي، يقال إن هذا المؤتمر بدأ في جنيف وكان صغيراً جداً ويختص فقط بالهاتف الأرضي والسنترالات القديمة التقليدية، انتقل لضيق المكان إلى مدينة كان الساحلية في جنوب فرنسا، ومع اتساع الصناعة بعد استخدام الهواتف المحمولة وانتشار استخدامها في الإنترنت وجد المنظمون أن معارض كان نفسها لا تتسع، وتم اختيار برشلونة لوجود المكان والدعم اللوجستي المناسب.
منذ أن وصلت إلى هذه المدينة الجميلة صبيحة الأحد الماضي، أي قبل افتتاح المعرض بيوم، وأنا أشعر وكأن المكان كله معرض. في المطار وعند الوصول يتم الحصول على كرت الدخول للمعرض في مكان مخصص عبارة عن قاعة ضخمة وهذا يوفر عليك مهمة الوقوف بطابور الانتظار في صالات العرض داخل المدينة، لكن قبل ذلك عليك إخراج الرمز الخاص بك والذي تستلمه عبر البريد الإلكتروني قبل سفرك. هل تصورتم حجم العمل والتنسيق الذي يتم قبل البدء في أول زيارة لقاعات العرض، وكم عدد الأفراد الذين يقومون بهذا التنسيق منذ وقت باكر؟
غني عن القول أن جميع الفنادق في المدينة محجوزة منذ وقت باكر ويضاف إليها في الأيام الأخيرة الشقق الفندقية، أما كلفة الغرفة فهي الأعلى على مدار العام، إذ قد تصل إلى أكثر من ٢٤٠٠ يورو في الليلة الواحدة في بعض فنادق الخمس نجوم.
نعم المعرض خمسة أيام فقط ولكنها مشتعلة بالحركة والنشاط، وأكاد أجزم أن جميع سكان المدينة استفادوا من وجود هؤلاء الزوار، وجميعهم رجال أعمال وليسوا مجرد فضوليين في مدينتهم. تاجر التجزئة ومالك المطعم والعاملين به وقائدي سيارات الأجرة ومحرري الصحف وكل وسائل الإعلام وملاك الشقق وعمال النظافة الذين يضطرون للعمل الإضافي بحوافز إضافية.
نعم في إسبانيا يوجد ٢٦ في المئة نسبة بطالة لكن برشلونة نفسها ليست بهذا السوء بسبب إمكاناتها السياحية وقدرتها على تنظيم المناسبات الكبرى. عموماً كل مقاطعة كاتلونيا الشمالية تتمتع بنمو اقتصادي وعادت إليها عافيتها خلافاً لبقية مقاطعات الدولة. يكفيك إلقاء نظرة على المطار الأنيق وحجم التجارة داخله، مطار برشلونة يعتبر مركزاً جميلاً للتسوق وبالكاد تشعر أنك في مطار بسبب تعدد المناشط والمتاجر والمطاعم الراقية.
أعود للتذكير بأن صناعة سياحة المؤتمرات ولوحدها قادرة على دعم التنمية الاقتصادية المنشودة أمام الأزمات الاقتصادية ومنتجة بالتالي لفرص العمل اللائقة ورفع دخل الفرد.
دعوني أتخيل قليلاً.. ماذا لو كانت حائل مثلاً حاضنة لمثل هذا المؤتمر مرة كل عام؟ ماذا لو كانت الطائف حاضنة لأكبر معرض للطيران في آسيا؟ ماذا لو كانت الجوف معقلاً لمعارض التصنيع الغذائي في المنطقة؟ ومدينة تبوك لأكبر معارض الورود؟ وأبها لمعارض السياحة ومستلزماتها؟ والباحة للكمبيوترات وتكنولوجيا المعلومات؟ والأحساء للسيارات والناقلات؟ والجبيل للصناعات البتروكيماوية.
أول ما يخطر ببالي مع هذه الافتراضات حجم وسعة مطارات هذه المدن وتطوير خدماتها. سيتم حتماً تطوير هذه المطارات بلا أدنى شك، لأنها حالياً غير قادرة على استقبال عدد الزائرين المرتقب، سيقفز عدد فنادق الخمس نجوم في كل مدينة ونحن نعلم أنه لا يوجد في هذه المدن العدد الكافي من هذه الفنادق حالياً، ستتطور الخدمات العامة إلى مستويات غير مسبوقة كالنقل والمطاعم والدعم اللوجيستي، لتحقيق ذلك كم من البلايين سيتم استثمارها في مدننا بواسطة القطاع الخاص الذي سيجد الفرص تنهال عليه؟ وأخيراً وليس آخراً كم عدد فرص العمل التي ستحتاجها هذه المدن للوفاء بمثل هذه الالتزامات؟ عندما نقول إن قطاع الخدمات هو المغذي الأكبر للوعاء الوظيفي فهذا التصور جزء من ذلك.
عكس كل ذلك هو الركود والتقوقع الناتج بسبب الانغلاق الاجتماعي بالطبع. عكس ذلك بالنسبة للعاطل عن العمل هو البحث عن وظيفة في الدولة أو في مصرف أو شركة اتصالات، وجميعنا يعلم أن الدولة والمصارف والاتصالات أصبحت متخمة بالموظفين ولا يوجد لديها أي فراغات شاغرة.
المملكة بحاجة ماسة إلى الانفتاح نحو هذا النشاط وبقوة وبدعم حكومي في بداية المشوار، هذا إذا كنا قلقين بالفعل من تضخم موضوع البطالة والكوارث التي تسببها في المجتمع. لن يكون بمقدورنا توفير فرص العمل للعدد المتنامي من الخريجين كل عام من دون المضي قدماً نحو مثل هذه التفرعات الكبيرة في النشاطات التجارية.
لو كنا ما نزال من دون الـ10 ملايين نسمة لما وجدت الحاجة إلى كتابة مثل هذه المقالة، لكننا اليوم نقترب من الـ30 مليون نسمة، وهذا يتطلب استراتيجيات مختلفة ومبتكرة لخلق فرص العمل اللائقة.
قرأت قبل يومين أن الدولة وافقت على دعم مطالبة الرئاسة العامة لرعاية الشباب بتنظيم نهائيات كأس آسيا للمرة الأولى في المملكة، هذا خبر ممتاز وأظن أنه سيأتي بفوائد وإيجابيات متعددة للحركة التجارية في المملكة.
القدرة على استضافة الأحداث الكبيرة لم يعد ترفاً بل ضرورة، عندما نفعل ذلك فتأكدوا من أن التجار والمحافظ الاستثمارية الضخمة ستضخ الأموال وتوظف الأكفاء، عندما يحدث ذلك فستتسع قدرة المطارات وما تقدمه من خدمات. وستتطور وسائل السفر بشكل عام وستتجه شركات الطيران إلى الربحية، ما يعزز الثقة في اقتصادنا، سنصبح مجتمعاً ودولة قادرين على جلب الاستثمارات الأجنبية، وستتطور لدينا آليات جديدة في مراقبة الدورة المالية في المملكة والبدء بتطبيق رسوم القيمة المضافة على الزائرين.
موضوع كهذا يحتاج الحديث عنه إلى متخصصين وندوات وشرح مفصل بالأرقام والبيانات، أتمنى لو تقيم الجهات المختصة كوزارة العمل والهيئة العليا للسياحة ووزارة التجارة ندوات وورش عمل لإلقاء المزيد من الأضواء على أهمية فتح البلاد لمثل هذه الأنشطة، وللتحذير من خطورة الانغلاق والتقوقع والحذر المبالغ فيه. قوة الكيانات نابعة من تنوع اقتصادياتها ومرونتها في التطور ومواكبة ضرورات الزمان والمكان.
ما نستمتع به اليوم من وفر مادي بسبب مداخيل النفط قد يتبخر في عامين عند حدوث أية أزمة في الأسعار أو الطلب لا قدر الله، فهل نفعل قبل مواجهة الأزمة أم ننتظر الأزمات لتعصف بنا وعندها سيصيبنا الارتباك وسوء التنفيذ وقد نضطر إلى الارتجال والوقوع في الأخطاء المكلفة مادياً ومعنوياً.