تصدّر النصر.. يفتح ملفات التخصيص


عودة نادي النصر السعودي وبقوة هذا العام بعد غياب طويل التي توجها بفوزه بكأس «دوري عبداللطيف جميل للمحترفين» وقبل ذلك بشهرين كأس ولي العهد، فتحت الكثير من الأسئلة أمام عدد من المهتمين ممن ليسوا بالضرورة من المشجعين فقط.

سبب ذلك ما لاحظناه من اهتمام جماهيري وإعلامي كبير وحضور لافت في المباريات. بل إن هذا الاهتمام تجاوز الحدود إلى دول الجوار واستقطب النقل التلفزيوني لمباريات هذا الموسم جماهير عربية من كل مكان.

شخصياً تبهرني الرياضة وتشدني كثيراً عندما أتمكّن من الاطلاع على تفاصيلها الاقتصادية الدقيقة. لقد وصلت ومنذ عقود، أي منذ سنوات الابتعاث للخارج في السبعينات، إلى قناعة بأن الرياضة تحولت إلى صناعة ورافد مهم من روافد التنمية وتنوع مصادر الدخل للاقتصاد، وفتح عدد من فرص العمل الجديدة في عدد من دول العالم المتقدمة.

هل هناك حدث يوازي في ضخامته وجماهيريته نهائيات كأس العالم التي تقام كل أربعة أعوام وتتنافس على استضافتها دول وكيانات، وتنفق في إنجاحها بلايين الدولارات؟ هل فكرنا يوماً بالبحث عن تفاصيل ذلك وتحديد الفوائد التي تجنيها الدول المنظمة؟ وماذا عن الألعاب الأولمبية سواء الصيفية الضخمة أم الشتوية؟ ماذا عن مباراة «السوبر بول» أو نهائيات بطولة رابطة محترفي كرة السلة NBA في الولايات المتحدة الأميركية؟ في الأخيرة يمتد الموسم أشهراً عدة، ويلعب كل فريق ٨٢ مباراة في الموسم نصفها فقط في مدينته، ولهذا فهو يتنقل إلى عدد كبير من المدن الأميركية جيئة وذهاباً.

يتم عمل الحجوزات مع شركات الطيران والفنادق ووسائل النقل لجميع الفرق وعددها 30 فريقاً موزعة على 30 مدينة قبل بداية الموسم. تخيلوا الجهود المبذولة لتحقيق هذا الانضباط، ومداخيل وسائل النقل والإقامة والتغذية والهدايا المصاحبة التي تباع على الجماهير في هذه المدن وفي كل مكان.

نعود إلى كرة القدم ونتذكر بطولات أوروبا وأنديتها العريقة والكم الهائل من الأموال التي يتم تبادلها سواء في صفقات اللاعبين أم في حقوق النقل أم شراء تذاكر الدخول أم لتصنيع وبيع المنتجات الاستهلاكية والملابس وما إلى ذلك. ماكينة مالية اقتصادية هائلة، ومؤسسات وأفراد يعملون على مدار العام لإنجاح مهماتهم مهما تنوعت.

تجدر الإشارة إلى أن توزيع مصادر الدخل في الأندية الإنكليزية، على سبيل المثال، تتكون من النقل التلفزيوني الذي يشكّل نصف إجمالي الدخل للنادي الواحد، يليه بند الرعاية التجارية الذي يشكل ٢٧ في المئة وهذا يحتاج إلى تفاصيل. الرعاية هناك متنوعة، منها رعاية وضع الاسم على القمصان، ورعاية الملعب من خلال شراء اسمه كما حدث في ملعب نادي أرسنال الذي تغيّر اسمه بعد بنائه من جديد وفي منطقة جديدة إلى ملعب «الإمارات» نسبة إلى «طيران الإمارات»، وتكفلت هذه الشركة التي ولدت عملاقة ببنائه.

هناك رعاية لشعارات توضع على الكتف وغير ذلك الكثير. أما بقية الدخل فيأتي وبنسبة ٢٣ في المئة من مبيعات تذاكر الدخول للملاعب.

في المملكة وهذا ما تهمني الإشارة إليه، نحن لم نبدأ بعد. مداخيل الأندية، وعلى رغم هذا الزخم الكبير هذا الموسم، لا تزال تعتمد على «تبرعات» أعضاء الشرف وبطريقة عشوائية لا تستند إلى أي لوائح وتنظيمات ناهيك عن التزامات. فبحسب ما اطلعت عليه من معلومات تفضّل الاتحاد السعودي لكرة القدم بتقديمها لي، يتكون دخل الأندية لدينا من هذه «التبرعات» وبنسبة تقترب من ٥٠ في المئة «تصوروا». تلي ذلك رعاية تجارية بنسبة ٢١ في المئة، ثم ١١ في المئة من بيع عقود اللاعبين، و٨ في المئة فقط من النقل التلفزيوني، ومبالغ متنوعة من الاتحادات وغيرها.

أما نصيب الأندية من مبيعات تذاكر الدخول للملاعب، الذي يشكل ٢٣ في المئة لأندية أوروبا، فلا يتجاوز نصفاً من واحد في المئة فقط لدينا، أي لا شيء تقريباً. عندما نقارن ما هو معمول به هنا مع ما استعرضته في إنكلترا نكتشف أن الرياضة لدينا مريضة جداً في هيكليتها التجارية. بمعنى أنه لولا «تبرعات» أو «صدقات» الآخرين لأغلقت هذه الأندية أبوابها.

هل يعقل ومع كل هذا الزخم الجماهيري والإعلامي أن نستمر فوق هذا الهيكل الكرتوني الهش لممارسة تحظى بهذه الشعبية؟ ما الذي يمكننا فعله لإنقاذ هذه الأنشطة وتنميتها لتتحول إلى رافد من روافد التنمية وتنوع مصادر الدخل؟ بل وقبل ذلك تضمن نوعاً من الاستمرار والقدرة على التطور؟

الحل لا يحتاج إلى عباقرة. ليتم تخصيص الأندية وتحويلها إلى مؤسسات تجارية تخضع لحسابات الربح والخسارة، وقادرة على تمويل ذاتها عبر ملاكها المؤسسين وحاملي أسهمها بعد أن يتم طرحها وإدراجها في البورصة. مؤسسات تخضع للمراجعة المالية وتنشر حساباتها كما يتم نشر حسابات الشركات والمصارف. تخصيص الأندية سيضع لها خريطة جغرافية جديدة على طول المملكة وعرضها. لن يتم السماح بالطبع بتكدس الأندية في المدن الكبرى فقط، بل سيتم نشرها في أكثر من عشر مدن على الأقل. وهنا أستطيع الجزم بأن ذلك سيرفع من شأن بعض هذه المدن الصغيرة التي قد يوفقها الله بوجود فريق رياضي قوي بإدارة حكيمة واعية ومدركة.

لعلي هنا أشير إلى نادي يوفنتوس الإيطالي، وهو نادٍ قوي وعريق، لكنه ليس في روما ولا ميلانو ولا نابولي، هذا النادي يقع في مدينة متوسطة الحجم اسمها تورينو «أقل من مليون نسمة»، وهو النادي الوحيد في إيطاليا الذي يملك ملعباً عظيماً خاصاً به. للإشارة فقد تأسس هذا النادي في عام ١٨٩٧، أي قبل أكثر من 100 عام.

القاعدة الأهم لهذه الرياضة هي الجماهير والدعم التجاري. الجماهير في بلادنا ما شاء الله تبارك الله كثر. هذا الموسم على سبيل المثال حظي بحضور جماهيري حطّم كل الأرقام السابقة «نحو ٩٠٠ ألف»، مع الأخذ في الاعتبار نقل مباريات جدة إلى ملعب الشرائع في مكة المكرمة وهو ملعب صغير جداً.

لولا هذا النقل لظروف صيانة ملعب جده لتجاوز عدد الحضور المليون مشاهد. أما الرعاية التجارية فهي الأخرى متوافرة، وبدأتها شركة زين السعودية برعايتها للدوري عند تأسيسها، وتلتها شركة عبداللطيف جميل الراعي الحالي.

على مستوى الأندية نعرف كم يتم إنفاقه بواسطة شركات كبيرة مثل STC وموبايلي وغيرهما. أنا على قناعة كبيرة بأن تخصيص الأندية وتنظيم عملها سيغري الكثير من مؤسسات الوطن العملاقة للمزيد من الدعم والرعاية. أعرف أن هذا الملف – وأقصد ملف التخصيص – تم الانتهاء منه وتولاه باقتدار الأمير عبدالله بن مساعد بن عبدالعزيز الذي لا يختلف اثنان على مهارته وخبرته واطلاعه الواسع على الرياضة كصناعة ورافد اقتصادي لا يستهان به. فإن كان ذلك صحيحاً فماذا ننتظر؟

أضف تعليق