بسم الله .. الله أكبر


يستمر القتل والتشريد في الشام والعراق وباكستان واليمن وغيرها باسم أغلى ما نملكه، وهو ديننا الإسلامي الحنيف. من يمارسه ويُغنِي على أشلائه ليس عدواً أجنبياً بل منا وفينا، والأدهى والأمر أن الأعم من هؤلاء يدعي الالتزام، وتدفعه الحماسة نحو رفعة ومكانة الدين، ثم إما يفجر نفسه في «هدف» مزعوم، أو ينحر أخاه المسلم الأسير بعد أن يكبّر. اقتصرت عملياتهم في الأعوام الأخيرة على هذا النحو، وتحولت بطولات أفغانستان ضد القوات الروسية إلى هباء منثور.

من سوء الحظ أيضاً أن التكنولوجيا الحديثة موجودة في المشهد، وتنقل لنا ما كان يفترض أن لا نشاهده بأعيننا. صحيح أننا لا نتحدث عن جديد، فقد قرأنا عن مآسينا وويلاتنا منذ ظهور الفتنة الأولى قبل 1400 عام، غير أنه ليس من رأى كمن سمع.

الصورة يا معشر القراء غاية في القبح هذه الأيام، ولا تسر حتى العدو. الصورة تدفع العقلاء إلى اليأس والإحباط، خصوصاً وأن هذا الجنون يتراقص أيضاً في أدمغة الآخرين ممن يجلس في المدرجات، ويعلن الفرح والنشوة والانتعاش وكأنه يتفرج على محاضرة علمية مثيرة يقودها مخترع، أو مسرحية هادفة، أو مباراة كروية ممتعة.

لكن كيف لم نتغير ولم نستوعب العِبر من دروس الماضي؟ من الذي يستمر في قيادة هذه الأنفس نحو الدم والثأر والقتل والدمار؟ ويعتقد بغباء أو بخبث أنه يحسن صنعاً؟ من هو المؤلف والمنتج والمدرب والحكم؟ الذي لم يعد خافياً على كل ذي لب أن هؤلاء القتلة وهم يمارسون أعظم وأفظع الجرائم بحق الأبرياء، لا يفعلون ذلك سعياً وراء النهضة والتقدم والقوة والإبداع، ونحن نعرف أنه يستحيل أن يكون ضمن أهدافهم ومخططاتهم منافسة مصانع سامسونغ في كوريا الجنوبية، أو الحصول على حصة من سيطرة شركة آبل للهواتف الذكية، أو تقنية ألمانيا في السيارات، أو صناعة الميديا في كاليفورنيا؟ ولو أننا نتحدث عن عصابة محدودة العدد كقطاع الطرق لهانت المصيبة، ولكن أعدادهم تزيد ويقبع خلفهم – كما ذكرت – من يصفق ويهلل ويكبر من جمهور المسلمين في منطقتنا. إذاً فهذا الخزي كما يبدو عام، وليس خاصاً، وجغرافيته واسعة وليست ضيقة.

هل هو الفشل المؤدي إلى اليأس ذلك الذي يدفع بمثل هذه «الشياطين» إلى الجريمة؟ حتى اليأس لا يفعل ذلك، فاليأس ليس حكراً على الفاشلين بل على المبدعين أيضاً، لكنه عند هؤلاء المبدعين لا يسيطر على المشهد. المبدع قد يشعر بهذه الثانية أو الجزء منها من اليأس أو حتى الدقيقة واليوم والسنة في مسيرة تجاربه ومحاولاته، لكنه مستمر للوصول إلى الهدف. وقد وصلوا بالفعل، فهذه قواتهم تنتشر في أراضيهم وفي بحار ومحيطات العالم. ها هو المأمور يطلق نيرانه بتفوق على أي هدف في العالم من طائرة من دون طيار، وهو على كرسيه في قاعدة عسكرية في ميامي. هذه مؤشرات اقتصاداتهم العملاقة تحرك بورصات العالم صعوداً وهبوطاً.

وهذه نتائج محاولاتهم التي فشلوا مراراً في تحقيقها، لكنها تحققت في النهاية شامخة بيننا. كل ما علينا بالطبع هو شراؤها مع خطوات غارقة في التفاصيل حول طريقة الاستعمال حتى يسهل استخدامها بواسطة أغبى شخص في العالم. هل نظن أن من وصل إلى هذه المستويات المتقدمة من العلوم والابتكارات لم يتعرض للحظات من الفشل؟

يبدو أن العكس هنا هو الصحيح، إذ ربما لا يوجد عند المفلسين بيننا ممن استفتحت الموضوع بالحديث عنهم أصلاً مثل هذه اللحظات، فالمفلس لا يعرف التجارب ولا المحاولات. مثل هؤلاء وجدوا فجأة، وبقدرة قادر – وله حكمة جلة قدرته – وجد ما ظن أنه «يرفع» الرأس، وأصبح كل ما عليه فعله هو الانضمام إلى «عصابات» ما يسمى زوراً وبهتاناً بـ«الجهاد».

هناك بالطبع من ينظر ويحرض، وإن لم يشارك فعلياً في الـ«آكشن»، لكنه لا يبخل في مهمة التحريض والتشجيع ونثر الفتاوى يميناً وشمالاً. هؤلاء هم من يزرع بذرة التشدد من خلال إقناعهم البسطاء بالجزاء العظيم في الحياة الآخرة، المتمثل بالجنة والحور العين والخمر واللبن والأرائك.

ما أهمية الحاضر ومصائبه ومطباته والفشل الذي يلاحق الناس في كل فكرة دنيوية؟ إن كان المسعى في هذه الحياة هو إرضاء الله والتقرب إليه، وإذا كان الجهاد ذروة الإسلام – وهو كذلك في مفهومه النقي – فما الجدوى من الانتظار؟ بناء في هذه الدنيا؟ منافسة؟ صناعة؟ تفوق؟ بماذا؟ وعلى ماذا؟ ولماذا؟

أنا أشير تحديداً إلى المشهد العراقي والسوري، وتحويل الشباب المسلم سنّة وشيعة، من أناس أكرمهم الله وأوصاهم بالصبر والفرج وطلب العلم والكفاح نحو البناء والرقي والقوة، إلى طلقات رصاص داخل بندقية يحملها مجهول.

أشير إلى الكم الهائل من الشحن النفسي سواء من منابر الجمعة أم المحاضرات المزعومة أم الدروس الملغمة أم مواقع التواصل التي ظهرت أخيراً.

أشير إلى ما يبدو اليوم وكأنه كابوس مرعب ألا وهو عودة الحروب بين أصحاب المذاهب الإسلامية، بل وحتى داخل المذهب نفسه. اليوم ترتفع وتيرة الحديث المفعم بالكراهية، ويقترب العراق من الانفجار. الهدف الظاهر للبسطاء من الطرفين هو تدمير طرف لآخر، بمعنى أن السُنة يرون أن الشيعة يستحقون الموت والفناء. والشيعة يرون أن السُنة يستحقون الموت والفناء، والطرفان سيتقاتلان في العراق على ذلك.

هذا بالضبط وإن تفاوتت المسببات، ما حدث في أوروبا بين عامي ١٥٢٤ و ١٦٤٨ قبل عصر النهضة، لكنه حدث وانتهى قبل ٤٠٠ عام.

هل هذا مؤشر على أن تخلفنا عن الركب والحضارة الحديثة والاستخدام الأفضل للعقل؟ هو ربما بمقدار هذا العدد من الأعوام؟ يجوز ولم لا؟ أقول ذلك لأنه يفترض أن نكون أول المستوعبين لمثل هذه الحوادث التاريخية الهائلة، بما يدفعنا لتفادي وقوع ما يشبهها من مواجهات دموية، لكنني لا أرى ما يبعث الأمل بوجود هذا الاستيعاب. للعبرة فقط، ألمانيا وحدها وعلى سبيل المثال، فقدت في تلك الحرب أكثر من ٣٠ في المئة من عدد سكانها.

بقي أن نعلم أن تلك الحرب «المقدسة» وقعت أساساً بين البروتستانت والكاثوليك المسيحيين، بمعنى أنها حرب دينية اعتمدت على المذاهب المختلفة. في النهاية لم ينتصر أحد، والنتيجة هي وصول الحكماء هناك ومنهم من رجال الكنيسة ذاتها – أمثال مارتن لوثر – إلى حقيقة مهمة، وهي أن هؤلاء القساوسة ليسوا جديرين بإدارة البلاد والشعوب، فجاء ما كانت الكنيسة تخشاه، وهو تحييدها الكامل عن صناعة القرار، بل وزاد عن ذلك تبني أوروبا فيما بعد أنظمة جديدة تتيح الحرية الكاملة للشخص لممارسة الدين الذي يريد من دون مطاردة أو تجريم. وهل من عاقل يمكنه أن يلوم الأوروبيين؟

ستشتعل الحرب قريباً في العراق إلا أن يرحمنا الله. ستصب الدماء بالكم الذي ربما يحمله دجلة والفرات من خيرات. المؤكد في النهاية أن السُنة لن يفنوا الشيعة، وأن الشيعة لن يفنوا السُنة. إنه القتال الذي لا منتصر فيه. إنها الهزيمة والثبور والعار، وهي من نصيبنا جميعاً، وليس فقط الفاعلين، وهو عار سواء أكنا قاتلين أم مقتولين.

هل أشعر بالتفاؤل أن العقل سيقف حائلاً قبل وصول النار إلى الفتيل؟ إطلاقاً لا! فالمشهد اليوم غارق في الكراهية والبغضاء والأحقاد، ورائحة البارود تملأ المكان.

عاشت الأمة العربية الإسلامية.. بسم الله والله أكبر..

أضف تعليق