الوطن ٨٥ وما بعده .. ماذا ينقصنا؟!


أكملت المملكة العربية السعودية قبل أيام عامها الرابع والثمانين. في زمن بناء الدول الكبيرة مترامية الأطراف كالمملكة يعتبر هذا الرقم أو هذا العمر صغيراً وربما قبل سن المراهقة قياساً بمراحل عمر الإنسان. على رغم ذلك فقد واجهت وتجاوزت هذه الشابة الفتية الكثير من التحديات الكبرى. بعضها وصل إلى مرحلة تهدد وجودها وبقاءها على قيد الحياة. ومما يؤسف له أن لبعض أبناء هذه البلاد علاقة مباشرة بهذه التهديدات.

اليوم تمضي المملكة في مسيرتها العظيمة مفتتحة عامها الجديد بالمشاركة الريادية الفعلية في حرب دولية موجهة ضد عصابات الغدر والخيانة ممن استهان بحرمة الأنفس البشرية واستقوى على بعض الضعفاء ومثل في قتلهم وتراقص على حمل رؤوسهم مبتهجاً وفرحاً. ولو أن ذلك يحدث على بعد آلاف الأميال من حدودنا ولم يشترك به بعض أبنائنا لكانت نصف مصيبة على سوأتها. لكنها فعلاً مصيبة لقرب كل ذلك من الحدود.

قبل ١١ عاماً حاولت مجموعة تحمل الفكر نفسه وتخطط للأهداف نفسها هدم الوطن من خلال ما قاموا به من عمليات تخريب وقتل في عدد من مدن الوطن. غير أن عزيمة الرجال بعد توفيق الله سبحانه وتعالى مكّنت المملكة من التصدي لهم والقضاء عليهم ولا أقول على من يحرضهم، لأن المحرضين داخل الوطن مع الأسف أحرار طلقاء لا يترددون وإن بأساليب ملتوية، في تأييد ما تقوم به تلك الجماعات. منذ تلك الأيام وربما قبلها بثلاث سنوات ونحن نجاهد في سبيل معرفة الأسباب التي دفعت بهؤلاء إلى قتال أهلهم وإخوانهم في الدين وفي الوطن. تكشّف لنا الكثير مما قد يلقي الضوء على ذلك، وباشرت الدولة في العمل على تطهير التعليم وبعض المؤسسات «الخيرية» والمجتمع من هذه الأفكار العدوانية الضالة. جميعنا بات يدرك اليوم أن عملاً كهذا سيتطلب المزيد من الجهد الاستخباراتي الدقيق والتصميم والوقت.

في خضم كل هذه الأحداث وتداعياتها لم تتوقف مسيرة البناء. مئات المشاريع العملاقة التي يتم إنفاق مئات البلايين عليها تستمر على قدم وساق وفي كل مدن وقرى الوطن.

الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي شيء آخر في نظري هو إعادة تصميم الماكينة الاقتصادية، والتخلص تدريجياً من فكر وتطبيق الاقتصاد الريعي والاستهلاك المفرط للطاقة والمياه. ونحتاج أيضاً إلى بناء الإنسان القادر على المحافظة على هذه الإنجازات. لن أتناول موضوع الاقتصاد بالتفصيل، لأن هناك من هم أقدر مني على إيضاح ذلك. لنتحدث عن سلوك المواطن والمواطنة والمقيم في هذا الوطن المترامي الأطراف. كما أشرت وأشار غيري فالوطن اليوم بات بحاجة إلى بسط سيادة القانون على الجميع أكثر من أي وقت مضى. سيكون عاراً وفشلاً كبيراً أن نتسلّم هذه المشاريع الخلاقة الهائلة ونبدأ بتشغيلها فقط لنكتشف حجم التخريب وإساءة الاستعمال بعد عام فقط من استخدامها. نعم فقد شاهدت بعيني مباني ومنشآت وصروحاً جديدة لم يمضِ على تشغيلها سوى بضعة أشهر وقد انتشر فيها التشوّه بسبب سوء الاستخدام. مثل هذا السلوك في الدول المتقدمة يعاقب عليه الفاعلون تحت طائلة القانون ومن باب المحافظة على الممتلكات العامة. إن كنتم تظنون أنني أبالغ هنا فما عليكم إلا التدقيق والتمعن في أرصفة الطرق واللوحات الإرشادية ودورات المياه العامة والصالات والأرضيات في أي مشروع جديد. ستكتشفون آثار الخراب والتلفيات التي لحقت بها. سبب ذلك هو غياب العقوبات وقبل ذلك غياب الرقيب. تهوّر قائدي السيارات يحدث الكثير من التلف في الطرقات وعند التقاطعات وبشكل مستمر من دون وجود بارقة أمل في الإقلال منه عبر معاقبة المستهترين. غياب قانون التحرشات والعقوبات المصاحبة له ومنها التشهير بالمعتدين، دفع «بعض» أفراد المجتمع إلى الاستهتار بكرامة النساء وأعراضهن.

أحياناً أتساءل ما الفائدة من تشييد هذه الطرقات الفخمة بهذه المواصفات الدقيقة والمسارات المضيئة إذا كنا عاجزين عن فرض احترام السائق لها. معظم قائدي السيارات ومع بالغ الأسف يقود سيارته وكأنها جمل أو حمار. لا التزام بالمسار بل مراوغات وتفنن في رفع ضغط بقية السائقين. يتم افتتاح هذا المركز التجاري الأنيق وما هي إلا لحظات حتى تتشوه جوانبه باللوحات المزعجة فوق الدكاكين الرديئة المتسخة. نلتفت إلى الجهة الأخرى من الطريق ونُفاجأ بصاحب شاحنة صغيرة غير مبردة يفرغ البطيخ والخيار على الرصيف لبيعه على المارة بلا أدنى مواصفات صحية لحفظ الأطعمة. يغادر المكان مخلفاً وراءه كل أنواع القاذورات.

إن كان هذا هو النهج الذي يرضينا ونقبله فلا داعي أصلاً للصرف وتشييد الطرق الفخمة والأرصفة والممرات والمنشآت الذكية المكلفة. لنكتفي بالمباني العادية والطرق الترابية التي ربما يفضلها بعض المتهورين.

لكنني حقيقة أستغرب وأرجو ألا يغضب مني أحد، ولا أظنكم ستختلفون معي، كيف لمؤسسة حكومية استطاعت القضاء على معاقل المخربين في أوكارهم بطرق استباقية بارعة، واستطاعت مكننة الجهاز حتى أصبح الجواز والإقامة يصلانك إلى البيت بلا عناء، أقول كيف لمؤسسة لديها كل هذه الإنجازات وغيرها وأقصد هنا وزارة الداخلية، أن تفشل في ضبط النظام المروري؟ ما المشكلة الحقيقية وراء هذا الفشل على رغم الوعود المتكررة بتطوير أنظمة السير والعقوبات؟

هناك من يقول إن المستهلك ممن قد يعبث بهذه الممتلكات جاهل ويفتقد الوعي، وأقول هو بالفعل جاهل، لكن كيف يمكن تعليمه؟ المناشدات والمناصحات فشلت على مر العقود في نشر الوعي المفقود. الوعي يا سادة لا يمكن أن يحدث بالتوسلات، بل عبر العقوبات الصارمة والحازمة والمستمرة. برامج كأسبوع النظافة أو أسبوع المرور أو أسبوع البيئة أصبحت برامج بليدة ومملة وتحولت إلى الاستهلاك الإعلامي. سنحتاج لا إلى «أسبوع» المرور، بل «حياة» المرور وحياة البيئة وحياة النظافة. ترددنا وميوعتنا في ملاحقة من يرمي علبة المشروبات الغازية من نافذة سيارته سيدفعانه إلى كسر أقفال غرف دورات المياه أو الكتابة على حائط المصعد الكهربائي أو تحطيم الرصيف. سماحنا بالوقوف الخاطئ في الطرقات يخلق من هذا السائق شخصاً متمرداً وغير مبالٍ بأي شيء آخر. ثم إننا نخطئ كثيراً عندما نحصر ضرر الاستهتار بمكان محدد وضيّق. ذلك أن بذرة الاستهتار عندما نتركها بلا استئصال فإنها تنمو وتتمدد وتنتشر في المجتمع كما تنتشر الفايروسات المعدية. وكما أشرت سابقاً في موضوع آخر فغياب العقوبات الصارمة البعيدة عن المجاملات هو الذي يدفع بعض المحرضين على القتال و«الجهاد» في مجتمعنا إلى الاستمرار في تحريضهم وإلى يومنا هذا على رغم علمهم بمخالفة الأنظمة التي صدرت من ولي الأمر مطلع هذا العام.

أخيراً علينا الإدراك بما لا يقبل الجدل أن ما تم بناؤه سيكلف الكثير في بنود الصيانة مستقبلاً. سترتفع هذه الكلفة كلما تراخينا في تطبيق النظام والعقوبات ضد ظاهرة الاستهتار من المستخدمين. والعكس صحيح 100 في المئة، إذ كلما تحسّن سلوك المستخدم كلما قلّت تكاليف تلك البنود. المملكة لم يعد بمقدورها التقدم في وجود هذه الفوضى العارمة من دون اتخاذ إجراءات للحد منها، لذا ففرض هيبة القانون أصبح ضرورة لا مفرَّ منها. السؤال متى نبدأ بتطبيقه ونشهد التحول التدريجي نحو المسؤولية وخلق البيئة المتمدنة التي تليق بسمعة ومكانة هذه البلاد؟ نعم، سنتألم قليلاً في بداية مشوار التطبيق وفرض العقوبات والغرامات، وسيتباكى البعض ممن اعتاد على الأنانية كما تباكوا بسبب «ساهر»، لكننا في النهاية سنجني ثماراً صحية شهية لطالما افتقدنا مذاقها في مدننا وطرقنا وحاراتنا. كل عام والوطن وأهله بخير.

أضف تعليق