المهم أن نستمر


حسناً فعلت الحكومة السعودية عندما فرضت تصحيح أوضاع العمالة الأجنبية. «نعم» هي خطوة متأخرة كثيراً، لكنها أتت لتنهي الخطأ الذي تراكم لعقود عدة. صحيح أيضاً أن بعض الجاليات التي لم تتمكن من تعديل أوراقها النظامية تمردت وأثارت الفوضى في أماكن عدة في المملكة، لكن ذلك ربما لم يكن مفاجئاً، وسأعود إلى حوادث الشغب.

أما فضل التصحيح فيشمل انعطافات عدة، منها الأمنية وهناك بالطبع نواحٍ اقتصادية تنموية لا يستهان بها. أمنياً لا يمكن لفرد أو مجموعة من الأفراد ممن لا تتوافر لهم فرص العمل وبقاؤهم في السعودية غير نظامي إلا اللجوء إلى الجريمة. هذه حقيقة، وتتكرر في أوروبا والولايات المتحدة في أوقات عدة، وجرائم كهذه عندما تترك وتتراكم تتحول إلى ما يسمى بالجرائم المنظمة، وهي الأشد خطورة وفتكاً.

اقتصادياً لم نعد بحاجة إلى هذه الأعداد المهولة من الأجانب. إذ يوجد في المملكة اليوم أكثر من ١١ مليون مواطن ومواطنة فوق سن الـ15، منهم خمسة ملايين قادرين على العمل. توظف الدولة من هؤلاء ما يقرب من مليون وسبعمئة في القطاع الحكومي، ويوجد ربما مليون في القطاع الخاص، يزيد أو يقل، والبقية لا تجد عملاً وغالبيتها من النساء. طبعاً لذلك أسباب عدة، لكن أهم هذه الأسباب هو وجود ملايين الأجانب ممن قبلوا العمل بأجور متدنية، تجبر رب العمل على توظيفهم، طمعاً بتحقيق الأرباح الناتجة من إقلال كلفة التشغيل. التحدي الحقيقي أمامنا ومع تطبيق وفرض أنظمة الإقامة الصحيحة وخروج الملايين هو كيف يمكن غرس ثقافة العمل لدى الأبناء والبنات؟ كيف نستطيع اقتحام سوق العمل ولو حتى برواتب متدنية في بداية المشوار؟ أقول ذلك لأن القطاع الخاص تتوفر لديه المرونة لتعديل الراتب الشهري أكثر مما تتوافر لدى وظائف الدولة الخاضعة لأنظمة الخدمة المدنية المعتقة؟ في القطاع الخاص وبمجرد أن تنال ثقة المؤسسة سيرتفع دخلك وبسرعة لا يمكن تصورها.

الأمثلة كثيرة وسبق أن تناولتها في أكثر من مقالة. لذا فمقولة أن الراتب قليل لا بد من تجاوزها. لعلنا نكثف من إنتاج برامج التطوير الذاتي وسرد قصص النجاح الكثيرة التي تحققت للعديدين من أبناء وبنات الوطن، ممن بدأوا حياتهم في شكل متواضع جداً، وبقيت هذه القصص في طي النسيان. برامج توعوية كهذه لا يمكن الاستهانة بها، بشرط أن تأتي جذابة ومشوقة ومثيرة، أي أن يتم إخراجها بمهنية عالية.

عودة إلى حالات الشغب التي أشرت إليها والتي وقع معظمها في حي منفوحة بالرياض. هذه الأحداث على سوئها وقبحها كشفت لنا وقبل كل شيء عن فشل الإعلام السعودي الرسمي مع الأسف في تناوله الأحداث. غياب الإعلام عن المشهد خلق أجواء ملونة من الإشاعات، بعضها مغرض.

فعلاً ماذا حل بالإعلام السعودي المرئي؟ أين القناة السعودية الأولى و «الإخبارية»؟ كل المقاطع التي يتداولها الناس في مواقع التواصل هي مقاطع قام بتصويرها أفراد كانوا بالقرب من الحدث. ارتباك لا مبرر له. اليوم تؤسس الحكومة ممثلة بوزارة الداخلية مواقع للإيواء، وتنفق ملايين الريالات يومياً لرعاية وإعاشة هؤلاء المتمردين في بادرة إنسانية رائعة، والحال نفسها، لا عين رأت ولا أذن سمعت.

ما الذي دهانا بالضبط؟ أكتب هذه المقالة قبل نشرها بيوم ونصف اليوم. ليعذرني القائمون على الإعلام إن هم هبوا واستيقظوا من سباتهم ونشروا المواد الإعلامية التي افتقدناها بعد انتهائي من الكتابة. وفي جميع الأحوال فإن صمت التلفزيون السعودي عن التغطية المهنية لحوادث الشغب، وقد مر على انطلاقها اليوم أكثر من 10 أيام، لا مبرر له على الإطلاق، ويستحق المسؤولون عن ذلك المحاسبة.

هذه الحوادث أيضاً كشفت عن كثير من المواقف الوطنية للشرفاء، وفي الوقت نفسه فضحت أهل الأهواء بكل جلاء. هذا ما لاحظه الكثيرون أثناء الفترات التي صاحبت شغب الإثيوبيين في الرياض. ساحة الحوار بالطبع هي المواقع الإلكترونية الشهيرة وعلى رأسها «تويتر». في خضم شغب هذه الجالية توارت معرفات بعض المشاهير ممن يتبعهم ملايين المعرفات الحقيقية والمزيفة عن الحديث حول الأزمة.

صمت غريب ومريب بالفعل، لا سيما وهذه الأسماء معروفة بطاقتها وهمتها، وتتفاعل مع كل حدث في شكل عام وفي أي مكان وبلا انقطاع. ظهرت أيضاً معرفات شامتة ومعرفات تحرض على الشغب وأخرى توظف المشهد لخدمة «القاعدة» و «الإخوان». هذا توظيف حقير لا قيمة له، على أن غالبية رواد «تويتر» بفضل الله وقفوا ضد هذه الأحداث، وغردوا بعبارات التأييد والولاء للوطن وأمنه. وبمناسبة الحديث عن توظيف الأزمات طالعت قبل يومين تعليقاً قرأته في هذه الفترة، وأتى من شيخ سعودي يخفي ميوله الإخوانية.

يقول فيه إن شغب الإثيوبيين في منفوحة عقوبة من الله لعدم نصرتنا لأهل السنّة في اليمن. لا أعلم حقيقة كيف عرف ذلك، وكلنا يعلم بأن ذلك شأن إلهي لا يعلمه إلا علام السرائر سبحانه وتعالى. رصد مثل هذه الأحداث التي لا يختلف اثنان على أضرارها يكشف لكل مهتم الزيف والجهل والنوايا المدفونة في نفوس البعض.

كل ما حدث وما قد يحدث خلال الأيام والأسابيع المقبلة سيفقد قيمته إن لم نستمر في تصحيح أوضاع الأجانب في شكل مستمر طوال العام. قد يتكرر وقوع حالات شغب مماثلة، لكن ذلك لا يجب أن يدفعنا إلى التراخي والتردد، والحزم مطلوب، وإبراز القوة المنضبطة أو «العين الحمراء» واجب، لا يمكن لأحد أن يشكك بجدواه على المدى القصير والبعيد. المملكة في النهاية لأبنائها أولاً، وترحب بالضيوف ممن يقيمون بصورة نظامية، غير أن الفوضى والنهب والإخلال بسلمية الدولة والمجتمع «خطوط حمراء» لا يمكن تجاوزها مهما كانت المبررات، وأضيف هنا أن على الدولة ملاحقة من تسبب في إدخال هذه الأعداد المهولة من مخالفي الإقامة. لا بد من وجود «سعودي» خلف كل متخلف. من هو؟ هل نستطيع حصر هؤلاء وتحميلهم كامل المسؤولية ومعاقبتهم العقاب الذي يتناسب مع خيانتهم للوطن والمشاركة في زعزعة أمنه وطمأنينته؟ كما يجب رفع لوائح الادعاء ضد كل من شارك بالتخريب وتدمير الممتلكات والاعتداء على الأبرياء من المتمردين. هؤلاء لا يجب أن يرحّلوا إلى بلادهم إلا بعد مثولهم أمام القضاء وإنزال العقوبات الرادعة في حقهم. لا أريد أن أكرر ما سبق، وإن كتبنا عنه، ألا وهو العمل على بناء دولة القانون الصامدة القوية. مثل هذه الإجراءات ستخرس أفواه كل المتربصين ضد هذه البلاد العزيزة، سواء في الداخل أم في الخارج. سيادة القانون في أية دولة تفرض احترام هذه الدولة على الجميع، وتنهي توظيف الأحداث لمآرب أخرى، لم تعد خافية على أحد.

أضف تعليق