سأتحدث بإيجاز عن الرياض، العاصمة السعودية. فقد شاءت الأقدار في الأيام القليلة الماضية أن ألتقي من دون أي تخطيط باكر سوى الاتصال هاتفياً قبل اللقاء بساعات بشخصية قيادية بارزة تعمل بلا كلل على التخطيط والإشراف على مشاريع الرياض الكبرى. اللقاء كان مع المهندس إبراهيم العثمان عضو الهيئة ورئيس مركز المشاريع والتخطيط في الهيئة العليا لتطوير الرياض. مكثت معه ما يقرب إلى الساعة الكاملة، وسيطر على الحديث موضوع مشروع النقل العام العملاق لمدينة الرياض الذي بدأ العمل به مطلع هذا العام. ما سمعته من المهندس حول الرياض ومشاريعها بشكل عام مثير للاهتمام. كيف لا ومشروع النقل لوحده «مترو الرياض» يشمل تنفيذ ستة خطوط لسكك حديد تمتد 176 كيلومتراً، وتعمل عليها قطارات كهربائية من دون سائقين، إضافة إلى نظام الحافلات المرافق، يعتبر أكبر مشروع لشبكات النقل العام في العالم يجري تطويره حالياً. الجدير بالذكر أن هذا المشروع أساساً كان يحوي مسارين فقط كمرحلة أولى لكن الملك عبدالله – حفظه الله – أمر بتنفيذ كامل المشروع مرة واحدة بمساراته الستة. هذا ما دفع إجمالي العقود الموقّعة مع تحالفات دولية عدة إلى أكثر من ٢٢ بليون دولار أميركي، خلافاً لمبالغ خصصت لنزع الملكيات في مقارّ بعض المحطات.
الهيئة وفي روتينها العادي توظف تقريباً ٣٥٠ شخصاً بينهم ١٨٠ مهندساً ومتخصصاً غالبيتهم العظمى من الجنسية السعودية وبقية العدد للدعم والإدارة. مع بدء تنفيذ هذا المشروع العملاق زاد عدد الموظفين عن ٣ آلاف متخصص وإداري. يقول المهندس إبراهيم إن مشروع الملك عبدالعزيز للنقل العام وهو المسمى الرسمي لهذا المشروع سيوفر أثناء أعمال الإنشاء والتنفيذ ٨٥٠٠ وظيفة للسعوديين، كما سيوفر في مرحلة التشغيل بعد انتهاء الأعمال ٦٥٠٠ وظيفة دائمة تنمو وتتزايد مع استمرار أعمال التشغيل والتدريب. هذا بالطبع إضافة إلى فرص العمل التي سيوفرها المقاولون ومقاولو الباطن ومتعهدو الخدمات. هنا تتضح أهمية مثل هذه المشاريع في خلق وظائف لائقة ومعتبرة. لن أتناول المشاريع العملاقة الأخرى لأنني شعرت بعدم رغبة المهندس في الدخول في تفاصيلها قبل البدء بها، لكنني حقيقة ومن خلال مشاهدة بعض التصورات المرسومة على لوحات في مكتب المهندس انبهرت بضخامتها. طبعاً هناك عدد من المشاريع المماثلة الأخرى، والتي لا تخضع مباشرة للهيئة من أهمها توسعة المطار والمركز المالي وغيرها.
الرياض هذه الأيام ورشة عمل لا تهدأ وهذه حقيقة يلامسها أي زائر للمدينة فضلاً عن المقيمين بها. غير أن أجمل فكرة اطلعت عليها لدى الهيئة ومن وجهة نظري الخاصة هي العمل على الهجرة المعاكسة لمدينة الرياض. الهيئة والإمارة والحكومة برمتها أصبحت اليوم تدرك خطورة نمو مدينة الرياض واتساعها الخارج عن السيطرة، وما يشكّله ذلك من أعباء لوجستية وأمنية. لهذا تولدت فكرة نقل بعض المناشط الصناعية، بل وحتى الحكومية إلى المحافظات المجاورة. لو نجحنا في ذلك فسيقلّ الضغط على العاصمة من جميع الاتجاهات، وخصوصاً الزحام والنقل وتوفير المياه والكهرباء، ولتحقق لتلك المحافظات نمواً وازدهاراً هو اليوم غائب عنها. هذه جهة مشرقة ووجه رائع لما يحدث في العاصمة، بل وفي عدد من مدن بلادنا العزيزة. أشكر سعادة المهندس السلطان على رحابة صدره وكرمه وأذكركم أن لدينا الآلاف من أمثاله ممن يعملون الساعات الطوال المتصلة بهدوء وبلا ضجيج.
الذي أتمناه وأتطلع إليه أن ننظر أيضاً إلى الوجه الآخر لهذه المدينة. أتمنى أن تهتم هذه الهيئة أيضاً بالإنسان وسعادته. من ذلك التركيز على مشاريع الترويح والسياحة وخلق المتعة للقاطنين. جميعنا يدرك اليوم أن أكثر المغادرين من المملكة إلى الدول الأخرى في الإجازات هم سكان الرياض وهل يلامون؟ كيف بمدينة سيصبح عدد سكانها ٨ ملايين نسمة قريباً أن ينتظر شبابها فقط لقاء الهلال والنصر ليشعروا بالمتعة والإثارة؟ كيف لهذه الملايين أن تتنفس من دون وجود الفن والسينما والمسرح؟ كيف أصبح تنظيم المعارض والمؤتمرات في الرياض وهي سياحة عالية المردود وتعتمد عليها مدن ودول، يشكل تحدياً للمنظمين بسبب فوبيا الاختلاط والانغلاق والتشدد؟ كيف لمدينة بحجم رياضنا الحبيبة أن يصيبها الشلل التام في تنظيم البطولات والنهائيات الرياضية القارية والعالمية كله بسبب تشددنا في منع العائلات من دخول الملاعب؟ ألسنا هنا ومن خلال هذا الانغلاق غير المبرر في هذا العصر نشجع على التشدد الذي أصبح ارتباطه بالعنف والإرهاب واضحاً كوضوح الشمس.
لنتذكر أن فكرة طنجرة الضغط تعتبر ممتازة للطهي وينتج منها أكل لذيذ وبسرعة تفوق وسائل الطهي التقليدية، ولكن بشرط أن يخضع للتوقيت الدقيق. أما في حال الإبقاء على الطهي مدة طويلة داخل هذا الطنجرة المحكمة الإغلاق فهذا يعني التلف التام للمحتويات وفسادها. يمكن تطبيق هذه المعلومة على المجتمعات أيضاً. إذ بإمكانك الضغط على المجتمع وحجب الهواء عنه لأي سبب قد تراه حميداً، ولكن يجب أن يخضع ذلك لمدة وجيزة بحيث لا تتجاوز إلى الحدود المضرة. أما إذا سعيت إلى استمرار غلق الغطاء مع أدوات الضغط فالنتيجة الحتمية هي تشوه المجتمع وضياع صفاته الحميدة الأساسية التي ظننت أنك تحاول صيانتها.
هذا -مع الأسف- ما حدث في مجتمعنا مع بداية بروز ما يسمى بـ«الصحوة الإسلامية» واستمر إلى يومنا هذا. لقد هرولنا في الدخول إلى تلك الطنجرة المضغوطة ولم نخرج منها بعد. ليس ذلك فقط، بل إن بعضنا يشعر بسعادة غامرة ويطالب بعدم فتح الغطاء. اليوم نشاهد نتائج ذلك على الأصعدة الأمنية كافة منها والاقتصادية.
الهيئة العليا لتطوير الرياض مع إدراكي أن هذه المبادرات ليست من تخصصها من حيث الموافقة وعدمها، لكنها في النهاية مسؤولة عن وضع الدراسات الأمنية والاقتصادية التي تبرر ضرورة الانفتاح وتضع حداً لهذا الانغلاق. هذا هو الوجه الآخر للرياض، بل ولكل مدننا الغالية. تنمية ومشاريع وإنفاق هائل من جهة يقابله تشدد وانغلاق وكآبة واضحة وقتل فاضح للبهجة والفرح من الجهة الأخرى. إنه كالبريق واللمعان الذي تعكسه العملة المعدنية من جهة ويقابله الصدأ والأوساخ من الجهة الأخرى. التنمية يا سادة ليست مجرد مشاريع وأسمنت وحديد، بل هي إنسانية قبل كل شيء. ما لم نركز ونضع نصب أعيننا الحال الاجتماعية الغريبة التي تأقلمنا معها -مع الأسف- ونحولها إلى حال أخرى مغايرة يشع منها الفرح وتلتحفها البهجة فإن فوائد مثل هذه المشاريع تصبح محدودة جداً. سنبقى نصارع ونبحث عن السعادة في الخارج ونسير بين الناس بشخصيتين وندفع في مقابل ذلك كل ما نوفره من مدخرات مالية. أعرف أن الإخوة المحافظين لديهم آراء أخرى، ولا أقول بدائل أخرى لإدراكي أنها غير موجودة، لكن ذلك لا يعني أنهم هم على صواب ونحن الخطأ. ومن يعلم فربما أن لدى «بعضهم» أيضاً مآرب وأهداف أخرى من الإصرار على فرض هذا الانغلاق بسبب ميول بعضهم لبعض الأحزاب المحظورة وعلمهم بأن ذلك سيسبب بعض الاختناق والضجر والملل الذي قد يُستفاد منه. أنا هنا أشير تحديداً إلى بعض الحركيين الذين لا يملون ولا يكلون من رفع الأصوات وزيارة المسؤولين عند البدء بكل مبادرة إيجابية تقدم عليها الدولة.
في النهاية لا بد من العمل على إعادة البسمة إلى محيا المواطنين والمقيمين. فورب العزة والجلال أن غيابها لعقود أوشك على تدمير كل الممتلكات لولا توفيق الله أولاً ثم بسالة أجهزتنا الأمنية الفذة. مدننا لا يمكن أن تستمر بوجهين متناقضين والتنمية المرجوة لا يمكن أن تحدث والوجوه مكفهرة وعابسة وغاضبة يملؤها الشك والتوجس والريبة. هذا يخالف الطبيعة، بل ويدمر الوجدان، ويدفع بشبابنا ذكوراً وإناث إلى الكثير من الانحراف.