البريطاني و«الهيئة»


لا شك في أن قصة المقيم البريطاني وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي وقعت أحداثها في الرياض قبل أسبوعين، كانت حديث الناس عموماً، والإعلام على وجه الخصوص.

المثير في تلك القصة كما نعلم هو سرعة سير الإجراءات التي اتخذتها رئاسة الهيئة، وإصدار قرار العقوبة بحق «أبطالها».

عدد لا بأس به من كتّاب الرأي ذهب إلى تفسير هذه السرعة والحزم، بسبب كون المعتدى عليه بريطاني الجنسية، وحسب، وإلا فلا فرق بين هذه الواقعة وغيرها، ضمن العديد من ردود فعل «بعض» أفراد الهيئة – هداهم الله -، التي نعرف جميعنا أنها أقرب إلى المغامرات منها إلى تطبيق النظام. مغامرات كثيراً ما نكتشف أنها غير محسوبة النتائج.

لكن، هل كون الضحية بريطاني الجنسية فعلاً هو السبب في تلك السرعة؟ شخصياً لا أعتقد.

سأروي لكم باختصار قصة وقعت في الولايات المتحدة، وتحديداً في مدينة «أتلانتيك سيتي» عاصمة الكازينوهات في الساحل الشرقي الأميركي. شاعت في شهر شباط (فبراير) الماضي قصة ضرب لاعب كرة القدم الشهير «ري رايس» لخطيبته «جاني بالمر»، وقد أصبحت زوجته في ما بعد، ولديهما طفل، أمام مدخل المصعد الكهربائي في أحد فنادق المدينة. بعد التحقيق مع اللاعب واعترافه وندمه في وقت وقوع الحادثة أقدمت رابطة كرة القدم للمحترفين NFL على منع اللاعب من مباراتين متتاليتين كعقوبة. كل ذلك تم من دون أن يطلع الناس حقيقة على ما جرى بواسطة الفيديو. قبل بضعة أيام فقط تمكنت محطة TMZ وهي المحطة المشهورة بنشر الفضائح والقصص المثيرة عن النجوم، تمكنت من الحصول على مقطع فيديو لتلك الحادثة التي سمع الناس عنها فقط لكنهم لم يشاهدوها وبادرت ببثها تلفزيونياً. شاهدت المقطع وكان سيئاً، فقد ضربها ضربة قوية وسقطت ثم جرها إلى المصعد وتركها ترتطم على الأرض وهي شبه غائبة عن الوعي.

وما هي إلا لحظات حتى تصدّرت هذه الحادثة كل نشرات الأخبار بما في ذلك محطة «سي إن إن» العالمية على رغم أن القصة داخلية وقديمة أيضاً إذ مضت عليها سبعة أشهر، والكل كان يعتقد أنه تم الانتهاء منها بتلك العقوبة. لكن ذلك لم يحدث. رابطة المحترفين، وبعد بث المقطع قررت تعليق اللاعب ومنعه من مشاركة أي فريق من فرق الرابطة إلى أجل غير مسمى. البيت الأبيض خرج بتصريح يندد فيه بما حدث «قبل سبعة أشهر»، وأنه لا قيمة لكل الرياضة مع وجود مثل هذه السلوكيات. ما الذي حدث؟ إنه الرأي العام الذي اطلع على كل شيء. الموضوع لا علاقة له بالفريق ولا بشهرة اللاعب نفسه، بل بالرأي العام الذي يشكل اطلاعه على مثل هذه الوقائع البشعة ضغطاً هائلاً على المسؤولين.

العامل المشترك بين القصتين إذاً، هو المقطع المرئي والمحتوى، وليس جنسية الضحية، أو لون بشرته.

لو لم يتم تصوير أبطال القصة وهم أمام «الكاشيرة»، ولو لم يطلع الناس على تلك القفزة العجيبة التي ضربت بقوانين الجاذبية الأرضية عرض الحائط، ورد فعل الزوجة عندما قامت بضرب ذلك العضو، لما حدثت كل هذه الإثارة.

وللعلم فانتشار فيديو هذه الحادثة ظهر بعد يومين من وقوعها. أيضاً لو لم تنشر محطة TMZ مقطع ضرب اللاعب لخطيبته وسقوطها أرضاً وسحبها وهي مغمى عليها إلى داخل المصعد مما أثار اشمئزاز المشاهدين، لما تدخلت الرابطة من جديد وتصرفت بهذه السرعة، ولا خرج من البيت الأبيض تصريح، ولا تسابق رؤساء وملاك الأندية الرياضية هناك على الظهور عبر الشاشات للتنديد والبراءة. إنها قوة التصوير والنقل الحقيقي لما يحدث. حتى من النواحي الأمنية والحد من السطو والاختلاس، يقف التصوير اليوم على هرم وسائل الردع. وفي تطبيق أنظمة السير والحوادث يأتي تصوير المخالف دليلاً دامغاً على وجود المخالفة. «ساهر» وغيره خير مثال على ذلك.

في بريطانيا وحدها توجد اليوم ملايين الكاميرات لمراقبة الطرق والأسواق وكل الأماكن العامة، ويقال إنها – أي بريطانيا – تستوعب ما نسبته ٢٠ في المئة من الكاميرات المصنوعة لمثل هذا الغرض في العالم، بينما لا تشكّل هذه الدولة أكثر من ١ في المئة من سكان العالم.

أعرف أيضاً أن معظم دول أوروبا تسير على هذا النهج، وكذا دول الشرق.

قبل ما يقرب من ١٥ عاماً، تمكّن فريقنا الأمني في أسواق العزيزية بالرياض من القبض على ما يزيد على ٥٠٠ حالة اختلاس في عام واحد داخل السوق بواسطة كاميرات المراقبة. وفي كل مرة يحاول اللص الإنكار لكنه سرعان ما يعترف عندما يشاهد نفسه بالفيديو.

من هذا المنطلق، وتحت ضغوط بعض الحقوقيين، وجدت الشرطة الأميركية نفسها مجبرة على وضع كاميرات في عربات الدوريات مع كل فرد من أفرادها، واعتمدت المحاكم هناك هذه الوسيلة ضمن الدلائل المعتد بها قضائياً.

وأعرف أيضاً أن لدينا في المملكة برنامجاً طموحاً وضخماً لوضع آلاف الكاميرات الأمنية في الطرقات والشوارع والأماكن العامة. وهذا بديهي لجهاز أمني يقوده رجل عصري يتقد بالحيوية واستشراف الغد مثل الأمير محمد بن نايف.

هنا أتساءل، هل سنرى الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدكتور عبداللطيف آل الشيخ غداً مطالباً بوضع كاميرات في كل عربة تابعة لجهاز الهيئة؟ لا أستبعد ذلك، خصوصاً أن هذا الرجل يواجه حرباً لا هوادة فيها من بعض الحركيين الإسلاميين داخل جهازه، ممن شعروا بتقليص نفوذهم، وسيطرتهم على هذا الجهاز.

التهمة المعلّبة ضد هذا القائد أنه يتحامل على أعضاء الهيئة كثيراً.

إنه تداخل التكنولوجيا في حياتنا، واستغلال ذلك نحو العدل، والإنصاف، وتجنب رمي التهم.

جميعنا يعرف ومن خلال قراءة محضر الهيئة، المتعلق بقضية المقيم البريطاني، أن عدداً من الأعضاء المشاركين تعمدوا مع الأسف الكذب والتدليس في تقاريرهم عن الحادثة، في محاولة للهرب من العقوبات. فعلوا ذلك وهم محسوبون على جهاز يفترض أن يكون دينياً، والقائمين عليه أكثر ورعاً وخوفاً من الله.

التكنولوجيا ستلغي كل هذه المحاولات، وستضع الكثير من الحدود أمام هذا الجدل العميق. ليس فقط من خلال الكاميرات، بل إن دخول فحص DNA الطبي العلمي، المعني بالتحقق من الشخوص وأماكن وجودهم في مواقع حدوث الجرائم عبر أصغر الدلائل، كقطعة من شعر الرأس أو اللحية أو الذراع، أصبح عاملاً من عوامل إدانة المتهمين في محاكم العالم. ولو أن هذه التكنولوجيا كانت معتمدة قبل عشرة أعوام لتبيّن للمحكمة السعودية المعنية حينها كيف توفي المواطن سلمان الحريصي ومن الذي تسبب في قتله.

فهل سنستمر في كيل التهم لرئيس الهيئة لانحيازه نحو الحق؟ ونعزو سبب السرعة وإصدار قرارات العقوبة لوجود طرف «بريطاني» بها؟ لا أتمنى ذلك، لاسيما أن هذه الحادثة ليست الأولى التي تقع بين الهيئة ومقيم غربي.

أضف تعليق