كرة القدم وغيرها من فروع الرياضة الأخرى تحتاج إلى المزيد من الاهتمام، خصوصاً في المراحل الأولية من عمر اللاعبين. من ذلك مثلاً إحياء دوري المدارس الثانوية والجامعات، من خلال الرفع من مستواه الفني
رحم الله الأمير فيصل بن فهد فقد كان مستشرفاً للمستقبل بكل وضوح عندما سمح بالاحتراف قبل عقود، وأصبحت الرياضة في الأندية اليوم ـ وتحديداً كرة القدم ـ أشبه بالصناعة التي تدر الدخل المالي لمنسوبيها بعد أن كانت هواية. اليوم نحن بأمس الحاجة إلى توسيع هذه النظرة لتبدأ من المدارس والجامعات. الفكرة هنا هي تعزيز التنويع في مناشط الاقتصاد السعودي بما يساعد فيما بعد على خلق الفرص الوظيفية الجديدة التي نحن بأمس الحاجة إليها. إضافة إلى ذلك فإن كرة القدم وغيرها من فروع الرياضة الأخرى تحتاج إلى المزيد من الاهتمام، خصوصاً في المراحل الأولية من عمر اللاعبين. من ذلك مثلاً إحياء دوري المدارس الثانوية والجامعات في المملكة من خلال الرفع من مستواه الفني، هذا لن يتحقق إلا إذا تم تطوير هذا الدوري من خلال اتحادات خاصة به، وأصبح الإعلام يتنافس على النقل، وأصبح الجمهور يتسابق إلى الحضور. بمعنى آخر يجب علينا بذل الجهد لترويج رياضة المدارس وإحياء نشاطها لتصبح الرديف الأقوى لدعم دوري المحترفين. لو فعلنا ذلك، وحرصاً على مرتبة التعليم أولا؛ فسيكون بإمكاننا وضع شروط الاحتراف الجديدة بحيث تصبح الشهادة الجامعية شرطاً أساسياً للمحترف في الأندية. هذا ليس من عندي بل ما هو معمول به في دوري رابطة السلة وكرة القدم في الولايات المتحدة، التي تعتبر الرياضة فيها صناعة اقتصادية كبرى بالفعل. فهناك تتنافس الأندية المحترفة على التقاط نجوم دوري الجامعات بعد انتهائه وبعد تخرج اللاعبين، وتبدأ بضخ الملايين من الدولارات للفوز بهذا النجم أو ذاك، وتستمر الإثارة وتنمو العائدات.
على أن الحديث حول المملكة لا يجب أن يقتصر على كرة القدم فقط. هناك الألعاب الأخرى كالسلة والطائرة والتنس الأرضي وغيرها. هذا ما يفسر وجود أكبر المنشآت العمرانية مساحة في جامعات الغرب لدعم هذه الألعاب، إذ لا تكاد تخلو أي جامعة من ملاعب ضخمة، وقاعات فسيحة لممارسة هذه الألعاب بواسطة الطلبة والطالبات. هل كل هذا التوجه يعتبر ترفاً من قبلهم وهم المجتمع الرأسمالي الكبير؟ بكل تأكيد لا، ذلك أن الفرق الجامعية البارزة تتحول إلى مصدر دخل لأوقاف هذه الجامعات من خلال الرعاية السنوية للفرق، ولهذا فالتنوع الاقتصادي الذي أشرت إليه في صدر الموضوع هو في الواقع حقيقة هامة، ومطلب ضروري لا يمكن إغفاله. جانب من هذا التنوع يتمثل في دور الشركات الراعية الكبرى.
من هذا الدعم مثلاً بناء ملاعب خاصة بواسطة هذه الشركات قد تحمل اسمها لفترة محددة، وتنال مقابل ذلك حقوق الإعلان في هذه الصروح.
من الناحية الأخرى وفي إطار أوسع قليلاً فإن للمدن والقرى الجامعية التي تتواجد بها هذه الجامعات علاقة مباشرة بما يجري، إنه الشق المتعلق بالسياحة، وما أدراك ما السياحة وقد تحدثت عنها كثيراً. انتقال اللاعبين من مدينة إلى أخرى لإقامة مباراة يعني إنفاقاً هائلاً في وسائل النقل وأماكن الإقامة والمعيشة. جماهير الجامعات ـ وهم في الغالب عائلات وأسر اللاعبين ـ سينتقلون من مكان إلى آخر لمشاهدة أبنائهم. هذا ينطبق أيضاً على وسائل الإعلام وفرق البث المباشر بآلياتهم وقضهم وقضيضهم. ولهذا فتكرار هذه المناسبات أثناء الموسم الدراسي (الرياضي) أصبح مصدر دخل لا يستهان به لملاك الفنادق ووسائل النقل والمطارات وأماكن التغذية في هذه الأماكن، وبعضها نائية جداً. هناك بالطبع الكثير من العائدات غير المباشرة التي لا يمكن أن يتم حصرها في هذه العجالة. على أن الأهم والأبرز هنا هو فرص العمل المرتبطة بهذه الأنشطة. تنظيم كل هذا الحراك الكبير يحتاج إلى موظفين وموظفات، يعملون في مراكز التنظيم وبمؤهلات مختلفة. ومن هنا والحديث الآن عن المملكة؛ فإن البحث عن فرص العمل الجديدة والمتنوعة هو ما يجب أن يدفعنا إلى الإبداع في تنوع الاقتصاد، والخروج من الرتابة والمحدودية التي لم ولن تضيف أي جديد.
مما يؤسف له أننا وفي كل مرة يتم الحديث عن مثل هذا التنوع في فروع التنمية البشرية والاقتصادية في بلادنا يصطدم المرء بمقولات لا قيمة لها، مثلاً قد يأتي أحدهم ويقول إننا أكبر دولة نفطية في العالم ويجب ألا يوجد لدينا أصلاً بطالة. تسأله لا مشكلة لكن أين الوظائف التي بإمكانها استقطاب مئات الآلاف من الخريجين بعد أقل من سبع سنوات؟ فلا تجد الإجابة الشافية. لهذا فإنه لا يكفي أن نشعر بالراحة فقط لأن مداخيل النفط عالية، ثم ننام ونعتقد أننا في مأمن من الفقر وتدني مستويات دخل الأفراد. ما لم يتفرع الاقتصاد بشكل أفقي، وتتنوع مصادر الدخل، وتزدهر حركة السفر والسياحة الداخلية بشكل عام؛ فإننا لن نفلح في توفير العدد المناسب من الوظائف لأجيال الغد. هذه هي الحقيقة التي لا مفر منها، مهما أبدعنا وحرصنا على الدعم الذي يأخذ الصفة الوقتية ولا يتكرر.
وبما أن الرياضة مهمة في بناء الجسم والعقل السليمين؛ فإنني لا أعلم حقيقة لماذا نحن أقل الناس اهتماماً برياضة المدارس والجامعات؟ المرء بالكاد يسمع عن فوز مدرسة أو جامعة وكأن الحديث عن ذلك يعتبر نشازاً، بل إننا لا نرى أي منشآت لائقة مرتبطة بمنشآت المدارس والجامعات.
اليوم يجري العمل على تشييد عشرات الجامعات الجديدة في مختلف مناطق المملكة. أتمنى حقيقة أن تشتمل هذه المنشآت على الصالات الرياضية الكبرى، اللائقة بالتمارين وإجراء المنافسات المحلية والإقليمية، قد تكون هذه المنشآت ضمن الخطط الموضوعة، لكننا نحتاج إلى تفعيل الحركة الرياضية ورفعها إلى مستوى الأحداث التي تهتم بها كل مدرسة وجامعة. التنافس فيما بعد هو الذي سيتولى مهمة التطوير. والتنافس لا يقتصر على الداخل فقط؛ إذ بإمكاننا تنظيم دوري جامعات على مستوى دول مجلس التعاون. حتى الدعم الحكومي لمثل هذه الجامعات يجب أن يقترن بمستويات المدارس والجامعات في الأنشطة الرياضية من بين الأنشطة الأخرى.
يا حبذا لو تقوم لجنة مختصة مشكلة من وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم والرئاسة العامة لرعاية الشباب بزيارة أمريكا أو كندا والاطلاع على ما يقومون به هناك للرفع من إنجازات مناسباتهم التعليمية في شتى المجالات، ومنها بالطبع المجال الرياضي. لعلنا نبدأ من حيث توقفوا، ونضع اللبنات الأولى في تحويل الرياضة بشكل عام إلى منشط اقتصادي. إنني على ثقة تامة أن الكثيرين سيفاجؤون بالمنجزات والمساهمات التنموية التي ستتحقق سواء في شقها الإنساني أوالاقتصادي.