بعد أن تناولتُ موضوع تطوع مجموعة من الشباب والشابات في حملة رائعة لمساعدة متضرري سيول جدة عبر “الفيس بوك”، بعنوان “إلى داليا وعبدالله والبقية .. سامحونا” (“الوطن” 21 ديسمبر 2009م ). كنت مـُتفائلاً بأنها لن تكون الأخيرة، وسيأتي الوقت غير البعيد للكتابة مرة أخرى عن عمل تطوعي جديد. ظني بهؤلاء الشباب لم
بعد أن تناولتُ موضوع تطوع مجموعة من الشباب والشابات في حملة رائعة لمساعدة متضرري سيول جدة عبر “الفيس بوك”، بعنوان “إلى داليا وعبدالله والبقية .. سامحونا” (“الوطن” 21 ديسمبر 2009م ). كنت مـُتفائلاً بأنها لن تكون الأخيرة، وسيأتي الوقت غير البعيد للكتابة مرة أخرى عن عمل تطوعي جديد. ظني بهؤلاء الشباب لم يخب. في يوم الجمعة الماضي طالعتنا “الوطن” بخبر وضعته في صفحتها الأولى يشير إلى بدء مجموعة أخرى من هؤلاء تطوعوا في حملة لتنظيف الشوارع في مدينة جدة أيضاً أطلقوا عليها “جدة لسه غير”. الحملة هدفت إلى توعية المجتمع بأهمية النظافة وساهم الأفراد بأنفسهم في تجميع المخلفات ووضعها في أكياس.
لا أظن أنني مضطر من جديد لشرح فوائد العمل التطوعي على حياة الشاب العملية سواء في مرحلته العمرية الحالية أو في حياته بشكل عام. وأستطيع الجزم بأن هذه الأعمال ستنتج فيما بعد رجالا وبنات يتمتعون بمستويات عالية من قيم العطاء. هذه الأمور في رأيي محسومة. لا تجنيد إجباريا، وفي سيرة الشاب أو الشابة لا خبرة أو تاريخا في العمل التطوعي أو العسكري، الذي لا تخفى أهميته حتى ولو استغرق فترة قصيرة. إن القيام بمثل هذه الأعمال الرائعة إضافة مهمة لتاريخ من يقوم بها. أنا شخصياً لو جاء إلى مكتبي من يطلب وظيفة في سيرته الذاتية إنجاز لعدد معين من الأعمال التطوعية، سأفضله على من لم يقدم على عمل كهذا، هذا إذا تساووا في المؤهلات الأخرى.
هناك حقيقة أخرى. هؤلاء الشباب في الغالب الأعم طلاب وطالبات لا يعملون في أي وظائف مسائية، من المرجح أن ما يدفعهم للقيام بمثل هذه الأعمال هو توافر الوقت خارج الدوام المدرسي، مع الإحساس بالمسؤولية والاستفادة من أوقات الفراغ لأداء هذه الأعمال الراقية، في حسها وأهميتها. الفئة العمرية التي ينتمي إليها هؤلاء هي التي تشكل نصف عدد سكان المملكة تقريباً. وبحساب بسيط يكتشف أي محلل أن عدد من يستطيع القيام بعمل تطوعي ربما يقترب من ستة ملايين إنسان، إذا استثنينا عدد الأطفال بالطبع. علينا إذاً وبعد تأمـّل هذه المشاهد والإحصائيات البدء بالتخطيط للاستفادة من هذه الطاقات الرائعة والكبيرة في خدمة المجتمع، ونوظـّفها بشكل أوسع بما يؤدي إلى نشر ثقافة العمل التطوعي لتصبح جزءا من الحراك الاجتماعي في الوطن.
هنا في المملكة حتى الآن نتحدث عن عملين تطوعيين في مدينة جدة الحبيبة فقط ، لكن ماذا عن سائر مدن ومناطق المملكة؟ لماذا لا نسمع عن حملات مماثلة فيها؟ نمط الحياة وتوفر الوقت متشابه. الغيرة والحماس فيما لو تم الترويج لهذا العمل متوافران في رأيي. أنا أتمنى من القائمين على موقع Rescue Jeddah، وهو الموقع الموحد الناتج من دمج كل من مجموعة (مواطنة) و(ح نغير) و(أصدقاء الأيتام) وغيرها من الفرق، أن يبدؤوا بالتفكير من منطلق الوطن بشكل عام. يجب أن يكون العمل المـُنجز في جدة نواة ليس فقط لأعمال أخرى في جدة بل على مستوى المدن الأخرى الكبيرة في هذا الوطن الحبيب.
غير أن هذا التوجه يتطلب أيضاً بعض التقنين والرصد. أين المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية التي تنظم العمل التطوعي في المملكة؟ في كل المجتمعات المتقدمة منظمات كهذه تتولى التنظيم والتنسيق وتقييم الأفكار التي تتطلب عملاً تطوعياً. هذه المنظمات هي التي تتولى الحملات الدعائية والإعلان عنها. ومن ضمن ما تقوم به أيضاً هو التقييم والتحفيز وحفظ العمل التطوعي في سجلات معتمدة يمكن الرجوع لها. هذه الجزئية تدفعنا إلى القول إن العمل التطوعي يحتاج إلى توثيق. وهذا التوثيق لابد له من جهة رسمية أو شبه رسمية معترف بها. خلافاً لهذا وفي غياب مثل هذا التوثيق فإن العمل التطوعي بكل ما يحمل من معان جميلة وقيم رائعة قد يتحول إلى عمل غائب عن السير الذاتية. ليس مطلوبا من الدولة أن تغذي هذه المؤسسة بالمال، بل فقط بالاعتراف بها وبسجلاتها. أي شرعنتها رسمياً. للمزيد من المعلومات حول مأسسة العمل التطوعي يمكن للمهتم أن يزور هذا الموقع التابع للأمم المتحدة. http://www.unv.org
يذكر أن مثل هذه الأعمال لو انتشرت لن تتوقف على نظافة شوارع ولا إغاثة حي بعد سيل جارف، مثلا، بل قد تمتد إلى معالجة الكثير من المشاكل الأخرى التي يعاني المجتمع من وطأتها، من أهمها الإقدام على نشر ثقافة العمل ومساعدة المحتاجين على إيجاد الفرص المناسبة لهم.
نحن نعلم أن السبب في وجود كثير من العاطلين عن العمل هو افتقاد معظمهم لمهارات البحث عن العمل، وليس بالضرورة نقص الفرص.
أخيراً نأتي إلى التحفيز والتقدير. سيكون من أولويات جدول أعمال مؤسسة كهذه تقييم عمل هؤلاء وتكريم البارزين منهم في احتفالات رسمية سنوية تحمل مُسميات التقدير والشكر لهم. قد يستقبلهم ولي الأمر أو أمير المنطقة ويمنح المستحقين جوائز التقدير تخلدها السيرة الذاتية لكلّ منهم، وتبقى الشهادة في “براويز” تتلألأ بواسطتها جدران مكاتب هؤلاء حتى سن التقاعد. أكرر الشكر لشباب وشابات جدة وأشد على أيديهم وأتمنى لهم التوفيق.