علينا أن نتوقف قليلاً ونعيد ترتيب الأولويات. علينا كعرب أن نضع التنمية الاقتصادية الحقيقية ممارسة وليست مجرد خطط في الأدراج
من منا في بداية التسعينات وبعد انتصار أميركا وحلفائها على العراق في معركة “عاصفة الصحراء” تخيل ولو لبرهة من الزمن أن الرئيس جورج بوش الأب سيخسر المعركة الانتخابية للرئاسة لحاكم ولاية آركنسا الأميركية “بيل كلينتون”؟ لكنه خسرها. خسرها حتى بعد أن أعاد الهيبة للجيش الأميركي الذي كان قد خاض معركته الخاسرة في جنوب فيتنام وتلوث بأبشع الصور. خسرها بعد أن تجاوزت شعبيته بعيد انتهاء الحرب على العراق 70% على المستوى الشعبي في عموم الولايات المتحدة الأميركية وهذا من الأرقام النادرة جداً هناك. لكن لماذا فاز كلينتون؟ فاز لأنه أتى يحمل حلولاً للبطالة وللتباطؤ الاقتصادي الذي بدأت مؤشراته بالظهور في أميركا في ذلك الوقت. إذاً وبالرغم من كل الزغاريد والأفراح استند المصوت الأميركي إلى الاقتصاد وأسقط الرئيس المنتصر عسكرياً لأنه وثق بالحلول التي تقدم بها المرشح المنافس.
مثل هذه المشاهد تتكرر في كل الدول تقريباً. البرازيل عانت من الركود في التسعينات وأسقطت عدة حكومات متعاقبة لم تنجح في إيجاد الحلول. فرنسا وإيطاليا واليابان وألمانيا لا تختلف عن البرازيل. الذي أسقط حزب المحافظين في بريطانيا وأتى بحزب العمال هو الاقتصاد. الاقتصاد الذي أتحدث عنه هو المتمثل في تحسن مداخيل الأفراد. إنها في الحقيقة عبارة أخرى للتعبير عن الإقلال من عدد العاطلين.
من هنا فإن هذه التوجهات أصبحت هي الشرعية التي يستند إليها أي حزب أو شخص يتقدم للرئاسة في العالم. وهي الشرعية التي يستند إليها الناخب. الدول العربية لا تختلف أبداً عن بقية العالم. معظم الشعوب العربية فيما عدا بعض دول الخليج ناقمة على حكوماتها لهذه الأسباب فقط. ابحث وحاول أن تجد أسبابا أخرى وستفشل. وكما قال المثل المصري: “الناس عايزه لقمة عيش”. وهذه حقيقة وإلا فما هو دور الحكومات أصلاً إذا لم تضع الاقتصاد في سلم الأولويات؟ ما قيمة الحياة للشعوب مع البطالة والنكد وتفشي الجريمة وسقوط الأخلاق؟. الاقتصاد الذي نتحدث عنه هنا هو المتمثل في واقع معاش يتطلع الناس إلى أثره في منازلهم وحياتهم. التنمية الاقتصادية التي لا تخلق الوظائف ولا تنعكس على دخل الفرد ولا تغير من نمط حياته إلى الأفضل هي تنمية عرجاء ومنقوصة. بل إنها لا تسمى تنمية.
لدينا بالطبع بعض الأصوات التي تلقي باللائمة على الغرب وتلقي الخطب الرنانة على جموع البسطاء متهمين الدول الغربية بأنها هي السبب الوحيد في تدني مستويات دخل الفرد في دولهم وأوطانهم. هذه مقولة مغلوطة مئة بالمئة ليس ذلك فحسب بل إنها مضللة وتبعث على الكسل والخمول. الغرب المنتج الذي تعج أراضيه بالمصانع والابتكارات وحقوق الملكية لا يتمنى حقيقة إلا حدوث هذه التنمية. السبب بسيط وواضح. هو يتمنى أن يتحول العرب والمسلمون، وهم بمئات الملايين من البشر كتعداد، إلى قوة شرائية فاعلة لأن ذلك ببساطة سيعود على مصانعهم وحقوقهم بالمبيعات وبالتالي على فرص العمل لديهم بالازدهار.
تخيلوا لو أن 50% من العرب والمسلمين يحملون جهاز “آي فون” أو حاسوب يحمل نظام “ويندوز” أو سيارة أميركية يتم استبدالها كل ثلاثة أعوام. ما الذي سيحدث لمبيعات تلك الدول إلى العالم وكم عدد البعثات الفنية والتسويقية الغربية التي ستجوب العالم للتدريب وتطوير القدرات. بينما العكس صحيح. فوجود هذه الشعوب وبأعدادها الكبيرة متخلفة ولا تملك القدرة الشرائية التي تضعها بين الشعوب القادرة على إحداث الفرق في ابتكاراتها تحولها إلى عالة على العالم قبل أن تكون عالة على نفسها. بل إن الفقر والعجز يؤصل على حالة العداء وتنامي المنظمات الإجرامية المعادية للجميع. المنظمات الإجرامية كما نعلم لا تنمو ولا تترعرع إلا في المستنقعات المظلمة. ولتأكيد هذا التصور هاكم علاقة الغرب في الصين. كل مصانع الغرب تتمنى الدخول إلى الصين ليس فقط لبيع منتجاتها هناك بل لتصنيعها في الصين وإقلال تكاليف الإنتاج. الغرب يفعل ذلك حتى مع قناعته بأن الصين ستتحول إلى القوة الأولى عالمياً في الاقتصاد ومعدلات النمو. العرب والمسلمون لا يقلون ذكاء عن الصينيين لو أتيحت لهم الفرص وانفتحت اقتصاداتهم على العالم. في مصر وتونس والمغرب والأردن نجد بعضاً من ذلك في قطاع الملابس وبعض الحرف الصغيرة لكنه دون المأمول فضلاً عن غياب القوانين ومتطلبات الإفصاح اللازمة لصقل وتطوير هذه المبادرات البسيطة. هنا أعود وأكرر لا تنمية مع الرشاوى وغياب الحقوق. هذا لم يحدث في أي مكان في الماضي ولن يحدث مستقبلاً، ومن هنا، تبرز أهمية التنمية البشرية المتمثلة في بناء المجتمعات وارتفاع مستويات الوعي لدى الأفراد. فممارسة العمل وحدها هي القادرة على الارتقاء بهذا الوعي الهام بين الناس.
التنمية المتمثلة في فتح الاستثمارات والتشجيع عليها بواسطة الدولة هي الدافع السحري إلى تطوير القوانين والأنظمة وصقلها حتى تصل إلى الحد المقبول. والتنمية الحقيقية المقترنة بالتصميم والإرادة هي القادرة على تطوير القضاء وقدرته على التعامل مع شتى أنواع القضايا العمالية والتجارية والحقوقية. هذه المحصلة عندما ننجح في الوصول إليها ستصبح آلة جرافة لا ترحم المرتشين وستطارد الفساد وتحشره في زوايا ضيقة.
علينا أن نتوقف قليلاً ونعيد ترتيب الأولويات. علينا كعرب أن نضع التنمية الاقتصادية الحقيقية ممارسة وليست مجرد خطط في الأدراج في أعلى سلم الأولويات.
إن القضاء على ظاهرة البطالة يعتبر أمراً في غاية الحيوية. لدينا فرص العمل بدليل وجود ملايين الأجانب لكننا إلى الآن عاجزون عن توطين بعض هذه الوظائف. لدينا الأموال والأرض والمستهلك لكن معظم استثماراتنا الخدمية لا تستثمر في الداخل. الاستثناء الوحيد هو العقار وهذا وحده لا يولد وظائف. ما لم نتمكن من تذليل العقبات التي تواجه مسيرة التنمية المنشودة فإننا حقيقة سنجد أنفسنا في خضم أزمة بطالة هائلة في المستقبل لا يعلم مداها إلا الله.
حفظ الله بلادنا من كل سوء وأعان المخلصين على تحقيق آمال الوطن وقياداته وشعبه.