من غير المعقول أن تستمر الاستثمارات بهذا الشكل القريب من العشوائية. أقول ذلك عن قناعة تامة لدي بأن هذه المؤسسات لابد وأن تكون رائدة ومتقدمة في ابتكار المشاريع والاستثمارات غير المتوفرة في البلاد
من يتجول في المناطق التجارية في مدينة الرياض لابد أن يشد انتباهه عدد المشاريع التجارية الكبرى التي تتكون من بنايات عالية الارتفاع يتم تنفيذها هذه الأيام. مركز الملك عبدالله المالي يأتي في طليعة هذه المشاريع الضخمة إذ يتوقع بعد الانتهاء منه أن يوفر مئات الآلاف من الأمتار المربعة من المساحات التأجيرية للمكاتب. وهناك عدة مشاريع أخرى تقوم بها مؤسسة التأمينات الاجتماعية بالقرب من مجمع غرناطة التجاري على الدائري الشرقي وأيضاً مشروع كبير في شارع العليا العام. هناك بالطبع المؤسسة العامة للتقاعد والتي تنتشر مشاريعها في كل مكان بالإضافة إلى كونها المالك والمشغل لمركز الملك عبدالله المالي. إضافة إلى هؤلاء يأتي المطورون المستقلون وهم يشكلون عدداً لا بأس به ضمن هذه المشاريع العقارية الكبرى. بحسبة بسيطة يمكننا القول إن المساحات القابلة للتأجير كمكاتب في مدينة الرياض وخلال أقل من سنة ونصف من الآن ستزيد وبكل تحفظ عن ثلاثة ملايين متر مربع. لكن ماذا عن الطلب المتوقع على استئجار المكاتب.
قبل ثلاثة أعوام كان العرض شحيحاً مما تسبب في ارتفاع أسعار العقارات على الطرق التجارية التي يأتي طريق الملك فهد في طليعتها. أذكر أن أسعار التأجير تجاوزت في بعض المواقع 2000 ريال للمتر المربع وكان التأجير يتم عن طريق الحجز المسبق. في هذا الطريق كما نعلم يمكن للمطور أن يشيد بنايات ترتفع إلى عشرات الأدوار وخصوصاً في الشريط التجاري الواقع ما بين هذا الطريق وطريق العليا. من هنا فقد تجاوزت أسعار الأراضي في هذا الشريط الضيق 25 ألف ريال للمتر المربع.
سبب رئيس لارتفاع هذه الأسعار بالطبع هو الدخل المتوقع من التأجير الناتج من ارتفاع الطلب وندرة المعروض. وقد أشارت بعض المصادر التي ترصد الطلب القائم آنذاك على المكاتب بأنه يقترب من مائتي ألف متر مربع في أفضل الأحوال. فإذا ربطنا هذا الرقم مع رقم المساحات المتوقع عرضها قريباً والتي ستتجاوز ثلاثة ملايين متر مربع كما أشرت فإن هذا يعني أننا سنواجه فائضاً كبيراً في المعروض. وهذا يعني نشوء أزمة كبيرة ومضرة للمطورين. أولى هذه الأزمات هي الهبوط المفاجيء في أسعار المكاتب الحالية في الشريط التجاري. يتوقع أكثر الناس تفاؤلا أن تنخفض الأسعار الحالية للمكاتب والواقعة في هذا الشريط إلى ما دون النصف. الأزمة الأخرى هي المساحات الجديدة الفائضة من المكاتب الفخمة التي ستبحث عن مستأجرين جدد لكن من أين نأتي بهم؟
كيف حدث ذلك؟ كيف قرر المطورون وبهذه السرعة قلب الطاولة وبناء هذا العدد الكبير من البنايات الشاهقة الارتفاع؟ هل أخضعوا مشاريعهم للدراسات المالية المستندة على واقع السوق؟ لا أظن بدليل أن العرض سيتفوق كثيراً على الطلب وبشكل مدمر. الحقيقة المرة هنا أن معظم هذه المشاريع تعتبر مملوكة للدولة إما مباشرة أو عن طريق ذراعي الدولة الكبيرين وهما التقاعد والتأمينات. إذاً فالدولة هنا ومن خلال مشاريع هذه المؤسسات الحكومية إنما تقوم بمنافسة القطاع العقاري الخاص وبكل ضراوة. بل إنها في الواقع ستساهم مباشرة في إلغاء فاعلية كل الدراسات الاقتصادية التي صاحبت قيام مشاريع أخرى يملكها تجار مستقلون. هنا يتساءل المرء ما ذنب من بادر بشراء قطعة تجارية على الطريق التجاري بما يتجاوز عشرات الآلاف من الريالات للمتر المربع معتمداً على النمو الطبيعي للقطاع ليتفاجأ بمشاريع حكومية ضخمة تهز أركان الوسط التجاري المتخصص في هذه المشاريع؟
تمنيت حقيقة لو أن مصلحة معاشات التقاعد ومؤسسة التأمينات تنوعت باستثماراتهما وطرقا أبوابا أخرى يحتاجها الوطن والابتعاد ولو قليلاً عن العقار ومنافسة العقاريين. العقار وبالذات التجاري لا يعاني من أية مشاكل حتى مع تذبذب الأسعار يبقى العرض والطلب ماضيين بكل سلاسة وهدوء. تمنيت لو أن هذه الصناديق الضخمة ركزت على الاستثمار في القطاعات الصحية والتعليم مثلاً. للتأمينات الاجتماعية مساهمة واحدة في قطاع الصحة تتمثل في مستشفى التأمينات في حي الريان في الرياض. لكنه المشروع الوحيد بنظري وقيمته لا تساوي شيئاً أمام أرصدة المؤسسة. لا علم لي عن أي مساهمات معتبرة في قطاعي الصحة أو التعليم تقوم بها مصلحة معاشات التقاعد وربما أكون مخطئاً لكننا في جميع الأحوال لا نسمع عن مشاريع معتبرة. للتنويه فقط فإنني عندما أتحدث عن التعليم فإنني لا أتحدث عن التعليم العالي بل أتحدث عن مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية خاصة تضاهي في جودتها العدد القليل من المدارس الخاصة المتوفرة حالياً والتي تبالغ كثيراً في رسومها السنوية.
قد يكون من المناسب جداً أن تتدخل الدولة في الكيفية التي تتم بها هذه الاستثمارات وأن يعاد النظر في الآلية التي تقوم بها مؤسستا التقاعد والتأمينات في اختيار القطاعات التي تنوي الاستثمار بها. من غير المعقول أن تستمر الاستثمارات بهذا الشكل القريب من العشوائية والبعيد جداً عن الاستراتيجية التنموية. أقول ذلك عن قناعة تامة لدي بأن هذه المؤسسات لابد وأن تكون رائدة ومتقدمة في ابتكار المشاريع والاستثمارات غير المتوفرة في البلاد. استثمارات تزرع معها فرص عمل جديدة وواعدة تنمو معها المواهب وتتفتح معها آفاق جديدة في ممارسة الأعمال التجارية. أما الاستمرار في الاستثمارات العقارية كما هي الحال اليوم فإنه لا ينم إلا عن وجود الكسل وتغليب الروتين والتقليل ما أمكن من المخاطر لكنه حقيقة لا يقلل من البطالة عن طريق خلق الفرص ولا يضيف للتنمية البشرية المطلوبة والإبداع الوظيفي أي جديد.