شكرا داود الشريان


أتمنى من خلال ما يتم طرحه من التفاتات إلى المواطنين الكبار أن نبادر إلى العمل الجاد لإعادة ذكراهم إلى الأجيال المعاصرة وأجيال الغد وإعادة بث ما تعبوا من أجله من أعمال فنية عبر المحطات الفضائية

تفاجأت بكل سرور واهتمام بضيف حلقة الأربعاء الماضي من برنامج “الثانية” الذي يقدمه يومياً المتألق داود الشريان عبر موجة إذاعة “إم بي سي ـ إف إم”. الذي أسعدني ولكنه أحزنني فيما بعد أن ضيف الحلقة هو الفنان الكبير “المنسي” عبدالعزيز الهزاع الذي شكل بحضوره الطاغي في نهاية الستينات أول الأعمال الدرامية في المملكة عبر تقليده المتميز للأصوات. ومن لا يعرف عبدالعزيز الهزاع عليه العودة إلى موقع يوتيوب والبحث عن بعض الأعمال التي تمت إضافتها للموقع لا بواسطة وزارة الإعلام التي تحتوي مكتبتها على كل أعماله بل ربما بواسطة بعض معجبيه. 
القضية بالنسبة لي ليست التعريف بالرجل بل هي العتب من تجاهله طوال هذه العقود وكأنه لم يكن شيئاً. لا أدري لماذا نتميز وبشكل كبير في نسيان الرواد أمثال عبدالعزيز الهزاع “أبو سامي” أمد الله في عمره. لدينا نماذج أخرى غير الهزاع تم نسيانهم تماماً لولا بعض المبادرات الجميلة ممن ما زال يحمل الوفاء أمثال الأستاذ داود. توفي الفنان سعد إبراهيم ومن قبله الفنان عبدالله محمد والرائع فوزي محسون وفنانون كبار لم يتوقف إبداعهم وعطاؤهم في تلك الأزمنة الجميلة، غير أننا لم نفكر بتكريمهم عندما كانوا أحياء ولم نفكر بتخليد أعمالهم بعد أن فارقوا الحياة. أنا من أكثر المتابعين للمحطات الإذاعية وبالكاد تستمع إلى أغنية لطلال مداح رحمه الله، هذا على سبيل المثال ناهيك عن فهد السعيد وسالم الحويل وسلامة العبدالله رحمهم الله أجمعين.
ماذا عن لاعبي الكرة. أين نحن من مبارك الناصر ومبارك عبدالكريم وكريم المسفر وسعيد غراب وعبدالله رزقان وسلطان المناحي وغيرهم؟ لماذا نبخل عليهم ولو بمسمى لأحد الشوارع في مدنهم؟ هل مسمى شارع عبدالعزيز الهزاع أو شارع سعد التمامي أو أي لاعب خدم بلاده من خلال المنتخب أهم لدينا من مسميات مثل “شارع أبو أرطي” أو “شارع أبو حماد” وهذه من الأسماء القصيرة التي اخترناها لعاصمتنا الحبيبة. غير أن هناك أسماء طويلة تزدان بها شوارعنا مثل: “شارع أبو المناقب الأكمل” أو “شارع أنجب بن صعصعة”. هذه من الأسماء التي لا يمكن أصلاً حفظها فلماذا نستخدمها. لماذا لا نجري مسحاً لبعض الأسماء التي لا علاقة لها بأي شيء في هذه المدينة أو تلك ونستبدلها بمسميات من قدموا لهذا الوطن أي مساهمات في الكرة والفن والتعليم والعمل التطوعي والإنساني؟ 
قصة عبدالعزيز الهزاع جميلة إلى حد بعيد حيث أشار أثناء اللقاء كما أشار سابقاً في لقاء آخر أن أول من قدم له الدعم وأخرجه بقوة إلى المستمعين عبر وسائل الإعلام ليس القطاع الخاص ولا وزارة الإعلام بل هو الملك سعود رحمه الله. فقد استمع جلالته إليه في حفل مدرسي في الجبيل ثم استدعاه إلى القصر في الدمام وتم نقله فيما بعد إلى الحرس الملكي. بفضل هذا الدعم الكبير أصبح الهزاع بشخصية “أم حديجان” المتميزة يشكل لنا جزءا أساسيا من مائدة الإفطار الرمضانية بجانب الشيخ الطنطاوي رحمه الله. لم يكن هناك من يعترض لا على الفن ولا على المادة. يقول الهزاع إنه ألقى مسرحية “بدوي في الطيارة” الذائعة الصيت آنذاك أمام الشيخ عبدالعزيز بن باز. مادة المسرحية تتحدث عن قصة لبعض من الركاب الذين قرروا السفر بالطائرة للمرة الأولى ثم قدمت لهم مشروبات كحولية بالخطأ. حملت هذه الأخطاء الكثير من المواقف الفكاهية التي كانت تعكس تعامل المجتمع مع هذه الوسيلة المتطورة للنقل. مع كل هذا ومع وجود الأصوات النسائية في الدراما لم يعترض الشيخ بن باز رحمه الله ولم يفسق بطلها الذي كان جالساً أمامه. هل كنا أكثر تسامحاً في تلك الأزمنة؟ بكل تأكيد نعم. لا يوجد أي مقارنة بين ما يواجهه أبطال مسلسل “طاش ما طاش” اليوم وبعد ما يقرب من الأربعة عقود وبين ما كان يلقاه الهزاع أو الممثل القدير سعد التمامي رفيق الدرب وصاحب المنلوجات الانتقادية الساخرة واللاذعة.
أتمنى من خلال ما يتم طرحه من التفاتات إلى هؤلاء المواطنين الكبار أن نبادر إلى العمل الجاد لإعادة ذكراهم إلى الأجيال المعاصرة وأجيال الغد وإعادة بث ما تعبوا من أجله من أعمال فنية عبر المحطات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى. أتمنى من القائمين على الرياضة أن يخصصوا المتاحف اللازمة لتخليد هؤلاء عبر ما يسمى في الغرب بـ”قاعات المشاهير” بحيث توضع صورة الرجل أو المرأة وبجانبها تاريخ موجز لما قدموه من جهود متميزة. نحن بهذا نأخذ زمام المبادرة عربياً ونرتقي بقيمنا الإنسانية ومشاريعنا نحو بناء الإنسان إلى خطوات متقدمة لم يسبقنا إليها العالم العربي برمته. لم أسمع لا في مصر ولا في المغرب ولا في أي دولة عربية عن وجود مثل هذه القاعات التي أصبحت في دولها نقطة جذب للسياحة. في بريطانيا وأمريكا على سبيل المثال يوجد لكبار الرياضيين في كل لعبة قاعة خاصة في مدينة محددة يزورها السائحون للتعرف على تاريخ اللعبة وعظمائها السابقين. في مدينة ناشفيل في ولاية تينيسي يوجد مقر كبير لعمالقة الفن الغربي في الولايات المتحدة وقاعة المشاهير هناك تتطرز بمسميات كبيرة مثل الفيس برسلي وغيره. 
الحديث يطول عن المبادرات والأفكار الغائبة والأمل أن يجد القطاع الخاص طريقاً مشجعاً للاستثمار في هذا المجال بالتعاون مع هيئة السياحة التي سيطلب منها تصنيف هذه المقرات كمواقع سياحية. هذا العمل والتقنين سيشجع المستثمر على التخطيط والبناء والتشغيل لمثل هذه المقار معتمداً على ما سيدره هذا المركز من دخل مالي عبر شبابيك للتذاكر تغطي بعض تكاليف ما قام به من تخطيط وبناء واستثمار وصيانة.

فهد إبراهيم الدغيثر 

أضف تعليق