رحلات الشتاء والصيف.. كم تكلفنا مالاً وبطالة؟


نضوب الدورة الاقتصادية المحلية من المال يسبب للمستثمر السعودي بعض القلق من الاستثمار في الداخل، فكلما ارتفعت معدلات إنفاق المواطن زادت الاستثمارات والعكس صحيح 

لايكاد يظهر إعلان الإجازات في كل موسم وأنا هنا لا أتحدث عن الصيف فقط بل في أي وقت إلا وتنهال الحجوزات على شركات الطيران وتغص مكاتب السفر بكافة أنواع المراجعين. هذا يحجز مقاعد على طائرة والآخر يبحث عن فندق مناسب أو شقق مفروشة وآخر يتحدث عن تأجيرالسيارات. إنها مشاهد لا تتوقف في المملكة وتحدث في كل مناسبة تتوقف فيها الدراسة، وما أكثرها مؤخراً. الغريب أن أحد الإخوة بدأ يقارن عدد أيام الدراسة بعدد أيام التوقف عن الدراسة ووجدها متقاربة مع احتساب عطل نهاية الأسبوع. هذا موضوع آخر. موضوعنا اليوم حول السفر وما يحمله من تكاليف مادية باهظة تعاني منها الدورة الاقتصادية الداخلية في المملكة.
فإذا أضفنا إلى السفر تحويلات العمال الأجانب الذين يعملون في بلادنا لوجدنا أن ما يخرج من الوطن من أموال لا يستفيد منه السوق المحلي تتجاوز المائة مليار ريال سنوياً أو تزيد.
السؤال لماذا؟ لماذا هذا الهروب الكبير للأموال؟ لماذا اقتصر إنفاقنا الداخلي على الضروريات فقط كالأكل والشرب والبنزين وخلافها؟ ما الذي يمكننا فعله للمحافظة على الناس والأموال في البلاد؟ والسؤال الأهم من كل هذا ما علاقة تنامي عدد العاطلين عن العمل في المملكة ذكوراً وإناثاً بهذه الظاهرة؟
لاشك أن نضوب الدورة الاقتصادية المحلية من المال الذي يفترض أن يبقى معظمه في المملكة يسبب للمستثمر السعودي بعض القلق من الاستثمار في الداخل. فكلما ارتفعت معدلات إنفاق المواطن زادت الاستثمارات والعكس صحيح. كما أن تدني معدلات الاستثمار يؤدي إلى تدني فرص العمل الجديدة. هكذا نصل إلى المنطقة الحمراء المحفوفة بالمخاطر. من هنا فقط يجب علينا البحث عن الأسباب إذا كنا نهدف إلى مواجهة البطالة.
البطالة كما نعلم هي نتيجة مباشرة لقلة وجود فرص العمل والأخيرة ناتجة من قلة الاستثمارات التي تخلق هذه الفرص. صحيح أننا نعيش في عصر زاخر بالمشاريع الكبيرة وغير المسبوقة والتي قد تتجاوز قيمتها نصف ترليون ريال غير أن معظمها مشاريع إنشائية تعتمد على شركة مقاولات وآليات وعمال أجانب. والكثير منها أيضاً مشاريع صناعية تعتمد على الشريك الأجنبي والآليات. قلما نقرأ أو نتابع استثماراً يعتمد في جودته على الأشخاص بدلاً من الآليات. كمثال على ذلك السياحة. السياحة ليست صناعة آلية تستخدم المكائن والكمبيوترات لتسييرها وإنجاحها. السياحة هي صناعة بشرية في غالبها. تعتمد في النجاح على ما نسميه بالخدمات اللوجستية التي يؤديها أفراد. لنتخيل على سبيل المثال دولة صناعية كبرى مثل فرنسا أو إسبانيا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية. هل يجوز الجزم بأنهم هناك يعتمدون في توظيف قواهم العاملة على المصانع فقط؟ ما الذي سيحدث في ولاية فلوريدا وحدها لو تم إلغاء أو تعطيل المناطق السياحية هناك والتي تتمثل في إمبراطورية “ولت دزني” أو “يونيفرسال ستوديوز” وغيرها ناهيكم عن الحدائق الكبرى التي تجلب للولاية مختلف السواح من كل أقطار العالم. ما الذي سيحدث للمطار والعاملين به؟ أو للفنادق والعاملين بها وحتى المطاعم وتجار التجزئة وتأجير السيارات؟ كارثة لا يمكن تخيلها. لنطبق هذا المثال على فرنسا أو إسبانيا أو بريطانيا.
الحقيقة أيها الإخوة أن الصناعة في تلك الدول لا تساهم إلا بـ 25% فقط من الوظائف المتاحة للقطاع الخاص. ولديهم قطاع زراعي لا يوجد لدينا وتصل مساهمته في خارطة الوظائف إلى 10% فقط في أحسن الأحوال بقية فرص العمل المتوفرة هناك تأتي من قطاع الخدمات الواسع الانتشار والتنوع.
القطاع المصرفي مثلاً وهو جزء من الخدمات يشكل نسبة جيدة من هذا القطاع وهو متوفر لدينا في المملكة ويساهم في إيجاد الفرص. لكن الخدمات أكبر من مجرد مصارف. إنه قطاع كبير ومتشعب وفي غالبه الأعم لا يشكل تنوعه المنشود حضوراً لافتاً في المملكة.
البيع والتسويق كمثال آخر يشكل العمود الفقري في هذا القطاع لأنه الأكثر توفيراً وحاجة للعاملين. لو فتشنا عن نسبة إشغال المواطنين في هذا القطاع لوجدناها متدنية جداً. التسويق يتم بواسطة إخوة عرب من الشام ومصر رغم أن المهنة بحد ذاتها بسيطة لكنها أيضاً واعدة. البيع هو الآخر يدار في الغالب بواسطة أجانب رغم أن المهنة واعدة هي الأخرى إذ إنها تفتح آفاقا كبيرة للفرد لممارسة التجارة فيما بعد. وأخيراً السياحة كما أشرت. وهي صناعة متشعبة نجاحها يخلق الكثير من الفرص الجديدة الغائبة وينمي صناعة الضيافة والفنادق في عدة مناطق داخل الوطن ويشجع على تطوير وسائل النقل ويفتح فرصاً كبيرة في المطارات ومكاتب السفر ويخلق الكثير من الإبداع والتنافس في كسب المستخدم.
في غياب شبه كامل عن الاستثمار المالي والبشري في هذه القطاعات وفروعها سنستمر في محاولاتنا غير المجدية لمواجهة البطالة. ومع نسبة النمو السكاني التي تعتبر كبيرة في أي دولة نامية سنجد أنفسنا أمام أزمة حقيقية مع البطالة لا يمكن التنبؤ بعواقبها. من هنا علينا البحث عن المعوقات التي تقف عائقاً أمام الاستثمار في هذه القطاعات وعلينا القيام بالدراسات اللازمة التي قد تؤيد هذا الطرح أو تأتي بالبديل. لكن أن نستمر بهذه الحيرة والذهول ومتابعة الأرقام وكأن الأمر لا يعني مستقبل الوطن فهذا قصور وعجز لا يمكن قبوله.

 

فهد إبراهيم الدغيثر

أضف تعليق