تطلعات خادم الحرمين ومسؤولية الوزراء


العجز لا يأتي إلا بسبب الفشل في القيادة في هذا القطاع أو ذاك، ومن غير المعقول أن نستمر في مشاهدة هذا التقصير دون أن نحرك ساكناً. من سيضمن لنا أن الميزانية العامة للدولة ستبقى على ما هي عليه اليوم من نمو 

الحديث عن تقصير أداء بعض الأجهزة الحكومية لم يعد حديثاً يتناوله البعض في الخفاء. المؤسف وربما “الجميل” في آن أن هذا الحديث أصبح شائعاً وعلى كثير من الألسنة في كل مكان داخل الوطن العزيز. عندما أشار صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز مساء الأحد قبل الماضي في احتفالية صحيفة “الرياض” إلى أنه يرحب بالنقد الهادف فإن سموه حقيقة يطالب به. 
لنعلم أن أكثر ما يسيء إلى تطلعات خادم الحرمين الشريفين التنموية الكبرى وتطلعات كل ولاة الأمر المخلصين والمواطنين هو هذا التقصير غير المبرر في الأداء لأنه يضيع علينا الفرص التي ربما لا تتكرر. الحقيقة التي لا يمكن أن يتجاهلها أي فرد منا أنه لا يوجد بنيان أو مشروع أو فكرة تستحق أن يوصف صاحبها بالناجح أو المتألق إلا وقد عانى من النقد العتيد أثناء مسيرة بنائه. 
تلاقح الأفكار وتفاعلها بين المعنيين بالأمر مع التأكد من وجود الإدارة المسؤولة الواعية بأهمية المشروع هو ما يؤدي عادة إلى النجاح المأمول في كل تقدم شهدته الأمم الأخرى. من هنا فإن النقد الذي أتحدث عنه هو النقد المسؤول الذي يركز على الجودة بعيداً عن التشفي والنيل من الأفراد. وهو بلا شك نقد مصدره الغيرة والحب والولاء لهذا الكيان الكبير الذي نفتديه بأرواحنا.
أعود إلى التقصير الواضح والمتمثل في أداء بعض الأجهزة الحكومية المعنية بخدمة المواطنين وبناء الإنسان السعودي. وسأتوقف على عجالة عند البعض منها في هذا المقال. 
أبدأ بوزارة الصحة التي لم تنجح النجاح المأمول بالرغم من كثرة الموارد المالية للدولة. فتدني عدد الأسرة وسوء توزيع وحدات أمراض القلب وعلاج الأورام على مناطق المملكة وقلة عدد الغرف المجهزة بأدوات العناية المركزة كلها مشاكل ما زالت قائمة وتؤرق كاهل المواطنين. وزارة الشؤون الاجتماعية لم تنجح أبداً في التصدي للفقر بالرغم من الوعود الصريحة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله قبل أعوام. ولم تتمكن وزارة التعليم من تنقية المناهج بعد وتطوير الوسائل التعليمية والرفع من مستوى المعلمين وتحسين أحوال المباني المدرسية. هناك فشل ذريع في أداء الهيئة العامة للاتصالات. هذه الهيئة لم تتمكن من فرض هيبتها عندما أصبح الحديث عن الفواتير الخاطئة والمبالغ بقيمتها على كل لسان قبل عام وتصرفت هذه الهيئة وكأن شيئاً لم يكن. كما أن هناك تقصيراً واضحاً وضوح الشمس في تطوير وسائل النقل العام في مدن المملكة بالرغم من كل الوعود التي صرح بها المسؤولون عن تطوير هذا القطاع. ظاهرة “خط البلدة” كان يجب أن تتوقف منذ عقود لكن هذا المارد لايزال يسير بكل عنفوانية في طرقات المدن مشوهاً جمالها ورونقها.
وزارة التجارة تمنح التراخيص لبناء مصانع الأسمنت على سبيل المثال وليس الحصر ثم تمنع التصدير للخارج ليس لفترة طارئة بل لثلاث سنوات بدون أن تتكرم وتعيد النظر في المنع. أما مصير المكتتبين والمستثمرين في هذه المشاريع الضخمة فهذا آخر اهتمامات الوزارة كما هو واضح في هذه الجزئية. 
متى سيصدر نظام القضاء الجديد الذي أمر به ودعمه خادم الحرمين الشريفين قبل أعوام؟ هل نحن راضون اليوم على مستوى القضاء والأحكام؟ ماذا عن المطارات السعودية التي أصبح معظمها متهالكاً في جودته. هذه منشآت تتفاخر بها الأمم غير أن القائمين على الطيران المدني في المملكة ربما آخر من يهتم بهذه الخصوصية. هذا مطار الملك عبدالعزيز في جدة والذي نسمع في كل عام أنه سيتغير لكنه صامد في وجه كل رياح التغيير ليستمر في عكس أسوأ صورة عن المملكة ونهضتها. عدا المطارات الأخرى. ما يقال عن المطارات يذكرنا بموقف هذه الهيئة المتخاذل من الطيران الخاص وتجاهلها الواضح في دعم الاستثمارات الكبيرة التي غامرت في دخولها لهذا القطاع الحيوي. موضوع هذه الاستثمارات برمته يبدو لأي مراقب وكأن هذه الأموال أتت من الخارج ولتذهب إلى الجحيم. هذا التقصير لا يمكن أن يستمر في بلد يسعى إلى بناء الاقتصاد وتنوعه ليتمكن من الفوز في صراعه المستميت مع البطالة. 
لن ننسى انفراد شركتين للمقاولات بمعظم مشاريع الدولة الكبرى مما تسبب في تسول الشركات السعودية الأخرى لدى أبواب هاتين الشركتين طمعاً في الحصول على “طفسة” مشروع من الباطن. هذه الجزئية المعيبة أشار إليها بوضوح الزميل محمد بن عبداللطيف آل الشيخ في صحيفة الجزيرة قبل أيام. وهناك الكثير من أوجه التقصير الذي لم يعد يحتمل غير أن المكان لا يتسع لتفصيله. 
معظم القطاعات التي أشرت إليها كان يمكن أن تدار بطريقة أكثر فاعلية لو كانت الجهات التي تديرها تتمتع بصفات القيادة ومهارات الإنجاز والتفاني في تحقيق الأهداف وتذليل الصعاب. 
استسلام الوزير للبيروقراطية المتجذرة في الأجهزة الحكومية وصمته حيالها هو فشل لهذا الوزير بدلاً من كونه شماعة يعلق عليها هذا الوزير فشله. لهذا ومن أجل أن نحقق النهضة المنشودة على الواقع حقيقة وليس مجرد تصريحات يجب علينا إعادة النظر فيما يدور حولنا من عجز وتقاعس في تنفيذ تطلعات ولاة الأمر بصرف النظر عن المبررات. 
العجز لا يأتي إلا بسبب الفشل في القيادة في هذا القطاع أو ذاك، ومن غير المعقول أن نستمر في مشاهدة هذا التقصير دون أن نحرك ساكناً. من سيضمن لنا أن الميزانية العامة للدولة ستبقى على ما هي عليه اليوم من نمو. بل حتى هذا النمو مع ضخامته اليوم وبسبب فشل هؤلاء المسؤولين لم ينعكس بعد على رفاهية المواطن. 
أكتب هذه الملاحظات وأنا على يقين بأن الحكومة تدرك حجم المشكلة، وتسعى جاهدة للتغلب على هذه العقبات، إلا أن هذا لا يكفي كما أثبتت الأيام. المطلوب أكثر من أي وقت آخر هو وضع أداء كل وزير أو مسؤول عن هذه القطاعات وغيرها تحت المجهر وإخضاعه إلى التقييم الدقيق العادل. فإما أن يبقى ويكافأ أو يساءل. 
بلادنا ولله الحمد تزخر بالإداريين الناجحين سواء داخل أروقة الجهاز الحكومي أو خارجه وموضوع اختيار الرجال الأكفاء وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب في مواجهة كل مقدم للخدمة سواء كان وزيراً أو مراسلاً في وزارة هو موضوع لم يكن ملحاً أكثر منه هذا اليوم.

 

فهد إبراهيم الدغيثر

أضف تعليق