مسرحيات “مجالس” التحليل الرياضي


لسبب او لآخر لم يتقدم المسرح لدينا كما هو مأمول لكن الله سبحانه وتعالى عوضنا بخير منه دون ان نضطر الى مواجهة متلازمة الإختلاط وما إلى ذلك. عوضنا بمسرحيات جديدة دون عناء البحث عن نص الرواية ودون التعب خلف مخرج بارع بل وفي احيان كثيرة دون أبطال ناهيكم عن عمالقة الفن المسرحي. انها مسرحيات “التحليل” الرياضي التي تصاحب كل بطولة او موسم كروي في هذه المنطقة.

 لأول مرة ارى المعنيين بالتحليل والرؤية في كرة القدم من خلال البرامج التلفزيونية يجلسون على الأرائك والغالب الأعم بيده مسبحة لينتقد ويحلل هذا الفريق او ذاك. تعددت هذه المجالس فمنها من هم جلوساً على الأرض ومنها من هم على “الكنبة” والبعض الآخر متقابلون على طاولة انيقة وكأنهم اعضاء في مجلس إدارة شركة بوينج. الغريب ان مستويات كرة القدم مع كل هذا “الثراء” في “النقد” والساعات الطوال في الحديث لم تتطور. بل انها هبطت مع الأسف في تزامن مع هذا “التطور” العجيب في اساليب النقد والتحليل.

 في العام ٨٤م بعد إنطلاقة اللاعب ماجد عبدالله وجهاً لوجه امام وسط ودفاع الصين ليسجل واحداً من أجمل الأهداف وأكثرها أناقة وفناً، وينال معها كأس آسيا للمرة الأولى، كنا ننتظر نشرة الأخبار في المساء لنرى إعادة الأهداف. كان التحليل الفني يقتصر تقريباً على المعلق. لم يكن هناك برامج خاصة كما هي الحال اليوم. بل وحتى في الدوري المحلي كنا ننتظر صحف الغد لنطلع على بعض اللمحات من خلال التحليل الذي يكتبه المحرر الرياضي. وكانت تلك الفترة بدايات قوية لإرتقاء مستويات الكرة السعودية.

 ما الذي يحدث اليوم بعد ان وصلنا الى نهائيات كأس العالم عدة مرات؟ كيف اصبح زمن هذه البرامج بما تحتويه من الهرج والمرج يتجاوز زمن المباراة؟. نعم فمجالس التحليل تتجاوز مدتها احياناً ثلاث ساعات. ما الذي يفكر فيه معد ومقدم هذه البرامج الغثة؟ هل فعلاً يتصور انه سيخرج بقيمة مضافة غابت عن جماهير الكرة؟ كيف يمكن ان يحدث هذا وعدد المتحدثين يتجاوز احياناً العشر اشخاص؟ ليس ذلك فحسب بل ان ثلاثة منهم على الأقل يتكلمون في وقت واحد. هذا لا يحدث ولا حتى في البيوت او الإستراحات التي يغلب عليها طابع العفوية والفوضى احياناً.

 في الغرب المتقدم يوجد برامج تسبق اللقاء المهم وتعقبه لكنها برامج متقنة ومفيدة وممتعة ايضاً. برامج غنية بالمعلومات والإحصائيات. هل سيحافظ هذا النجم على رصيده في صنع الهجمات والمساعدة في تسجيل الأهداف؟ اليوم سيلعب هذا المدافع وهو الأبرز في التصدي للحالات الإنفرادية برصيد عشرين حالة مثلاً، كم سيضيف الى رصيده هذا اليوم؟ لاعب السلة هذا هو الثاني بتاريخ اللعبة في تسجيل رميات الثلاث نقاط فهل سيحافظ على رقمه هذا الموسم ومن ينافسه على ذلك. هذا ما أحصل عليه من معلومات اثناء متابعتي لبرامجهم هناك. لا يوجد حدة ولا اجواء مشحونة كما يحدث لدينا. لا يشكل الإعلام على قوته في الولايات المتحدة اي ضغط على الفريق بالقدر الذي تصل اليه مستويات الضغط لدينا. انها العقلانية والمهنية والعلم المتقن في مهنة التحليل والنقد.

 تجدر الإشارة الى ان التقصير في المهنية مرتبط أيضاً بتقصير إتحادات اللعبة نفسها. الإحصائيات التي المحت اليها قبل قليل في الدول الغربية لا تتوفر لدينا وبالتالي لا يوجد لدى الناقد ما يستند إليه في تقييمه وتحليله للأداء. من هنا لعل الإتحادات الرياضية وخصوصاً إتحاد كرة القدم البدء بالتركيز على بناء مركز المعلومات والإحصائيات. لا يكفي فقط ان نعرف كم هدف سجله هذا اللاعب بل كم هدفاً صنعه ايضاً حتى لو لم يسجله. نتمنى ان نعرف من خلال الرصد والتوثيق كم ضربة جزاء تسبب بها هذا المدافع. هذا يتطلب وجود مراقبون اثناء المباراة مع نماذج معدة سلفاً وأمام كل مراقب مهمة او مهمتين فقط لمراقبتها وتدوينها في البيان. بعد ذلك يتم تفريغ هذه البيانات في الوعاء الآلي وتخرج الإحصائيات للجماهير في ذيل التحليل الفني لوقائع هذا اللقاء او ذاك. أجزم ان وجود هذا التطور في الرصد والتوثيق سيزيد من قدرة المحللين على الإنصاف والموضوعية. وسيساهم في إبعاد من لا علاقة لهم اصلاً بهذه اللعبة الجماهيرية.

أضف تعليق